الفائدة العظمى للهزيمة هي أن تدفعك وتجبرك على مواجهة ذاتك ومراجعة حساباتك والإقلاع عن غيك والارتداع عن ظلمك.
لذلك كانت الهزيمة معلمة أكثر من النصر، فالمنتصر غالبا لا يراجع حساباته، بل يرى النصر ضوءا أخضر ليكمل على حالته بحلوها ومرها، بل يرى مرها حلوا، وعلقمها عسلا!!
ولذلك كانت من نعم الله تعالى على الناس أن يقصم الطغاة ويذلهم حتى يراجعوا تعاملاتهم مع العباد، بل من نعم الله على الطغاة أنفسهم لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا.
بهذه الحكمة اللطيفة صرح الشيخ محمد متولي الشعراوي تصريحه الشهير الذي قلب عليه رجالات الطواغيت بأنه سجد لله شكرا عندما سمع نبأ الهزيمة في 67، فهي بالفعل نعمة تستوجب شكرا.. نعمة أجبرت النظام الذي كان يخطو خطوات واسعة بعيدا عن الدين على أن يخرج رئيس نظامه أمام البرلمان ليقول: "الشعب يريد الدين، وأنا مع الشعب".
وما فتئ الله يؤكد سننه ويطبق نواميسه، وما فتئ عباده ينسون!!
وهكذا دخل المنتخب الفرنسي تصفيات كأس العالم مزهوا بمركزه كبطل أسبق ووصيف للبطل السابق، منتفشا بنجومه، لم يبال بالمؤشرات التي سبقت الكأس، صعد بهدف بيد مهاجمه، لكن مديره الفني زاد في غيه وخرج ليعلن في عنصرية بغيضة أنه لن يضم لاعبا من أصول عربية حتى لو تكررت أسطورة زيدان، جاءت كلماته قاطعة لمطالبات الكثيرين بضم كريم بنزيمة (ذي الأصول العربية) لمهاراته وكفاءته.
ترقبت أداء الديك الفرنسي متوقعا خروجا مبكرا، لكني لم أكن أتصور حينها أنه سيخرج من الدور الأول، لكن حكمة الله أبت إلا أن تكون فوق كل التصورات!!
وهكذا خرج أنيلكا ليقف في وجه المدير الفني العنصري، وتضامن معه زملاؤه بشأن القرار الصادر ضده، وفور الهزيمة الأخيرة والرجوع إلى فرنسا تمت إقالة دومينيك من منصبه كمدير فني رغم تقاربه واتفاقه في المواقف مع حكومة ساركوزي.
هكذا هتفت: تعيش فرنسا خاسرة!! تعيش خاسرة لأنها لم تتعلم من أخطائها ولم تراجع نفسها ولم تقف لتصحيح الأخطاء إلا بالخسارة والهزيمة؛ فهل يجب أن يصبح الفرنسيون على صدمة خروجهم من ركب الحضارة وموكب الإنسانية ليدركوا عواقب عنصرية نظام ساركوزي؟! أم ستكون مؤشرات تراجع قيم الجمهورية الفرنسية كافية؟!
إن المؤشرات على تراجع قيم "الحرية والإخاء والمساواة" تتوالى واضحة، فمن وزراء ينتقدون طريقة لبس "الكاب" لدى شباب الضواحي، إلى حظر للنقاب، وانتهاء بحجب قناة الأقصى.. وإذا تعللت حكومة ساركوزي في موقف من هذه المواقف فإن باقي المواقف فاضحة، وضم بعضها إلى بعض يجعل الأعمى يبصر التراجع والتدني.
على الفرنسيين أن يدركوا أنه ليس بالضرورة هناك هدف بيد هنري يدخل في غفلة من الشعوب ليجنبها عدم التأهل الحضاري، وحتى إذا تأهلت لماضيها وقيمها التي كانت فإن الماضي لن يدفعها كثيرا في الحاضر أو المستقبل ما لم تكن هناك عزائم على مواصلة الرقي القيمي، والتاريخ لن يرحم، وستسجل انحرافاتها عن قيمها التي قامت عليها الجمهورية.. سيسجل العنصرية والتفرقة والإقصاء وتكميم الأفواه.. وسرعان ما ستخرج من الدور الأول لمواكب الحضارة والإنسانية.
إن الذكي هو من يراجع نفسه أولا بأول؛ حتى في لحظات الانتصار، ومن يدرك بالمراقبة أولى مؤشرات الهبوط والتراجع ويستنبط الأسباب ويعالجها؛ لكن هناك من يحتاج الصدمة والهزيمة ليبصر الأبيض من الأسود.
أما البئيس فهو الذي يجمع إلى خساراته خسارات دونما اتعاظ أو ارتداع.. هذه هي خيبة الخيبات، أن تضم إلى الفشل فشلا في المراجعة الحقيقية والتعلم من الخطأ؛ فتتوالى السقطات حتى تصبح أصلا.

بمناسبة
مرور 1000 يوم على حصار غزة الأصفار
الثلاثة.. والمليار صفر!! أصفار ثلاثة ستتكون يوم 9/3/2010 في عدد أيام الحصار المضروب على قطاع غزة، لتعلن بذلك صمودا
دام ألف يوم، رقم كبير في حصار عدد كبير من البشر، ولا يزال الصمود الكبير
مستمرا.
وإذا كان حصار غزة قد
أتم يومه الألف، وتراصت في تعداد أيامه ثلاثة أصفار متجاورة، فإنها ستنضم بذلك إلى
أصفار عديدة في عالمنا العربي والإسلامي، لكن فارقا بسيطا بينها يصنع واقعا مختلفا
كليا، فأصفار غزة تزيدها إجلالا واحتراما، وتفرض واقعا جديدا وتصنع معادلة جديدة
على الأرض، مفادها أن شعبا كهذا يتحمل هذا الحصار ولا يركع لهو شعب سيصنع
المعجزات..
أما أصفارنا المليار..
فهي خارج المعادلة، لا تضيف جديدا، ولا تفرض واقعا، لأنها تلك الأصفار المهملة،
التي بلغة أهل الرياضيات: "تساوي لا شيء"..
وكلما زادت أصفار غزة
إجلالا واحتراما زادت أصفارنا تقزما، ليس لأننا على طرفي نقيض مع غزة، ولكن لأننا
آثرنا تلك الوضعية، وضعية "الصفر"، والصفر تتضاءل قيمته كلما زادت قيمة ما بجواره،
وأصفار غزة قيمة ثمينة، توضع بدماء وعرق وكفاح أهلها.. أما أصفارنا فتتناثر
بالسلبية والتخاذل والكسل.
هكذا تصنع أصفار غزة
معادلات، وأصفارنا خارج أي معادلات، لا لشيء إلا لأنها آثرت ذلك، تحيا خارج
المعادلة بكل تباعد وتخاذل عن النصر الواجب لهم: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم
النصر".. وتزداد تقزما برضا الضيم وحياة المهانة..
أصفار كثيرة بحياة لا
تستنهض فيها الهمم.. أصفار في العلوم، والتكنولوجيا، والنظافة، والمواصلات، ونقاء
البيئة، والحياة الكريمة، والحريات، ,,,,، ماذا نقول في قائمة لا تنتهي؟ حتى تنظيم
فعاليات الألعاب على مستوى عالمي.. نلنا فيها صفرا
جديدا.
أعتقد أن ثلاثة من
الأصفار في تعداد أيام الصمود ستكون شاهدة على مليار صفر تأخر في النجدة وأخلد إلى
التكاسل والركود، وستكون تلكم الشهادة قاسية جدا، فلا مجال للمقارنة بين شهادة
ثلاثة أصفار -تلك الشهادة العدل- وبين أقوال المليار صفر ونصف
المليار..
رغم فوارق العدد بين
المحاصرين (فعلا) والأحرار (قولا) في أمتنا؛ فإننا لن نجد مجالا للمقارنة بين
فعالهم وأقوالنا، وشهادة الأيام الألف من الحصار وقصص الصبر ومعاني انتظار النصر،
كل ذلك سيكون وقعه شديد الوطء على متخاذلي النصرة، فما بالك بمعاوني الطغاة ومشددي
الحصار.. لا شك أن أصفار غزة تنزل كقنابل تصفع صلفهم وتخاذلهم
وخيانتهم..
أصفار تظهر لكل ذي
عينين تحضر المجتمع الفلسطيني العربي المسلم، فلا أعمال نهب وقعت رغم طول الحصار،
ولا شاهدنا الفوضى تضرب القطاع المكتظ رغم قطع الإمدادات، ولم نر -برغم القصف
والغارات- ما كان من شعوب كثيرة لم تحتمل الكوارث أو الخوف يوما أو يومين حتى
شاهدنا النهب الجماعي وعصابات السطو والفوضى العامة.
هي شاهدة إذن على قيم
الوفاء والصمود والكفاح، تماما كما تشهد على سقوط قيم كالخيانة والتخاذل والعمالة..
كذلك فإنها شاهد على ركون مليارات الأصفار وكذبهم حينما يتشدقون بالإنسانية
والمروءة والنجدة أو الوقوف بجانب الحق الإنساني، وشاهدة أيضا على نصرة مئات أو
آلاف الرجال.. وكم لأصفارك من معانٍ يا غزة.









