بدأ رمضان وجاءت أيامه الأولى بنسماته الصافية، منظر يلهب العواطف وأنت ترى أفواج الناس بغدو إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، هذا الرجل العجوز يصر على القيام بجزء، وهذه المرأة العجوز، تأتي إلى المسجد لأداء صلاة التراويح بجزء على الرغم من بعد المسافة بينها وبين هذا المسجد.. لقد بدأ السباق.. كان أكثر ما أخشاه مع بداية رمضان ومع ارتفاع وتيرة الحديث عن اجتياح غزة أن يكون رمضان هذا العام داميا على إخواننا في غزة، لذا كنت أكثر من الدعاء لأهل فلسطين عامة وأهل غزة خاصة وللحمساويين بالأخص، لا سيما عند كل إفطار وفي الساعات الأخيرة من النهار، كنت أتذكرهم في ورد الرابطة، وكنت أستشعر الترابط بيني وبينهم وبين سائر إخواني، وكنت غالبا ما أتذكر فتى من محافظة الجيزة هو أخ ل مني الجامعة أحبه جدا.. فكان يذكرني بباقي إخواني الجامعيين فأدعو لهم عامة وأخصص منهم. هذا الجو الروحاني قبل كل إفطار كان يذكيه ويغذيه جلسة التلاوة مع أشبالي بعد كل عصر، أما بعد صلاة التراويح فكانت الزيارات العائلية وصلة الأرحام لمن استطعنا تشعرنا بجو رمضان البهيج. المسجد ممتلئ في صلاة الفجر، والناس تواظب على صلاة التراويح.. كل هذا أعطى الثلث الأول من رمضان جوًّا رائعا لا يماثله أي وقت في سائر العام، حتى الأطفال وهم يلعبون، تبدو السعادة عليهم أكثر من أي وقت آخر. كل ذلك جعلني كلما مر يوم أو مرت ليلة من رمضان أستمله، وكأنني أناجيه.. مهلا يا شهر الصيام.. تمهل يا شهر القرآن.. 
ولهذه "الشنطة" في حيِّنا قصة بدأت منذ سنوات، وبدأت عندما اتصل بأبي أحد القائمين على عمل خيري وقال له إن بعض الأشياء قد تبقت عندهم هذا العام، فإن كان أبي يود توزيعها عندنا على من يعرفهم من ذوي حاجة أرسلها إلينا، ورفض أبي في البداية لأنه لا يعرفهم كلهم، ولكن تصادف أن كان ابن عمتي عندنا فسأله أبي إن كان يعرف المحتاجين في منطقتنا.. كانت هذه هي البداية.. بدأت بأشياء بسيطة عندما وافق بشدة ابن عمتي وأوضح استعداده لأن يدلنا على بيوت المحتاجين، طلب إرسال كل ما تبقى لأنه يعرفهم كلهم، ووصلت الأشياء وزدنا عليها وقسمناها ووزعناها.. وظل ابن عمتي يستقصي أحوال الناس طوال العام تمهيدا لرمضان القادم.. وكل رمضان يأتي.. كانت الشنطة تزداد من حيث كميتها، ومن حيث كم الموزع عليهم، صارت لشنطة رمضان استعدادات خاصة تسبق رمضان، معرفة أحوال الناس، وشراء الأشياء التي تتحمل البقاء حتى لا يغلو ثمنها مع اقتراب رمضان، ثم تقسيم الأنصبة، ثم التوزيع. وابن عمتي يأخذني أنا وشقيقي ليعرفنا على بيوت المحتاجين وأحوالهم، حتى حفظناها مع تكرار السنوات والرمضانات، كنا ننزل ليلا لنطرق الأبواب ونتسابق من سيحمل الشنطة من السيارة لأبعد بيت، كانت البيوت البعيدة نتسابق على حمل الشنطة إليها، حيث كنا نوقف السيارة في مكان ونحمل الشنطة منه إلى البيوت. شيئا فشيئا علمنا عن الأحوال أكثر وأكثر، وصار الموضوع أكثر تنظيما، ولم نعد ننزل وحدنا نظرا لكثرة البيوت وكثرة الشنط، أصبح بعض الشباب يعاونوننا، وأصبحت روحانيات خاصة تصاحب أعمال هذه الشنطة. أنا لا أبالغ عندما أقول إننا تعرفنا على محيطنا والناس عن طريق ابن عمتي الذي بدأ مشوارا طويلا من العمل الخيري في منطقتنا وأرسى دعائمه قوية، ونظرا لأمانته فقد كنا نعلم جيدا أن من أخبرنا باحتياجه فهو محتاج، ونظرا لشهامته وطيبته فقد كان الناس يأخذون ما يعطيهم إياه. ذات مرة سمعت مقولة لا أذكر نصها كانت تعني أن القدر يختار الأفضل، ويبدو أن هذا ما حدث مع ابن عمتي، فبينما كان يعبر الطريق منتصف إحدى الليالي عائدا من أحد بيوت أقربائه صدمته سيارة، لم تشفع له قوة بنيانه، ولم يستطع مفاداتها على سرعة حركته وطول قامته، لم تصله سيارة الإسعاف قبل وفاته. أظن شنطة هذا العام كانت للعام العاشر تقريبا، وهي تختلف كثيرا عن شنطة العام الأول، ولكننا نعلم جيدا أنه لولا شنطة العام الأول ما كانت شنطة العام العاشر، لا زلنا نشعر عند تحضير شنطة كل عام بافتقادنا له، على الرغم من أنه العام الثالث بدونه، نفتقد روحه الفكاهية، ونفتقد انتقاداته الساخرة، كما نفتقد طيبته وشهامته وأمانته. كلما بدأنا الاستعداد لشنطة رمضان أو أنجزنا منها شيئا تذكرته من دعائي ونحن نوزعها، الناس أيضا يدعون له حتى الآن عندما نعطيها لهم، الكل يذكره رحمه الله. رحمك الله يا ابنة العمة، وتكفل بأبنائك وأنبتهم نباتا صالحا.. كم كنت سعيدا طوال هذا الشهر كلما شاركنا ابنه المقرأة وتلا القرآن ففاق أقرانه في جودة التلاوة، يشبهه كثيرا في بنيته وطيبته، رعاه الله ورحم أباه.
أتى رمضان، وهبت نسائمه الجميلة تداعب وجناتنا وذكرياتنا أيضا، أتى بالذكريات الجميلة، وأتى ذكريات من نحب، ليلة اليوم الأول من رمضان بتُّ أذكرها، أتذكر ضحكاتها، وأتذكر كلماتها، وأتذكر هدياها إلي .. وأذكر رحيلها. ففي أول ليلة من رمضان رحلت.. مضت إلى بارئها، تاركة الدنيا بحلوها ومرها، بعسلها وعلقمها، تاركة الدنيا.. كحالنا جميعا يوما.. وقفت على قبرها ذاهلا، فقد كان رحيلها سريعا، لم يكن متوقعا بالنسبة لي، خاصة أن آخر مرة رأيتها في زفاف ابن خالتي كانت تتماثل للشفاء وسررت جدا لرؤيتها، ولكن فجأة.. وبينما أنا نائم في مسجد المدينة الجامعية.. أتاني صوت أمي عبر الهاتف النقال طالبا مني التوجه إلى المستشفى لأدرك اللحظات من حياة خالتي. كان التداعي في صحتها رحمها الله سريعا جدا.. ومميتا، لم أكن أظن وأنا أبيت معها في المستشفى "لليلتين فقط" أن هذا مرضها الأخير، فقد عاشت حتى النهاية محبة للحياة، راضية بوضعها. خالتي -رحمها الله- كانت لي أما بعد أمي، تربيت معها فترة من الزمان صغيرا، وقضيت معها فترات كبيرا، عامي الأول الجامعي قضيته عندها، كما قضيت أياما كذلك من باقي الأعوام عندها، كلما رأتني نظرت إلي عبر عدسات نظارتها السميكة وتبتسم هاتفة "شوشو" -دلع شهاب يعنيJ- فتبتسم الدنيا معها، في عامي الجامعي الأول قالت لي: "اسمع يا ولد يا إرهابي أنت.. أنت الآن في الجامعة، وبعدين تكون في مظاهرة من مظاهراتك دي يقفلوا عليكم الجامعة وتتأخر ونعوز نطمئن عليك.. نطمئن ازاي؟"، قلت لها: "احنا في مسيراتنا مؤدبين جدا، ومش هنتأخر أبدا، وبعدين لك علي لو كنا هنعمل مظاهرة هقول لك قبلها"، ولكنها قالت: "لا يا حبيبي.. كده نقلق أكتر ونبقى عاوزين كل شوية نطمئن عليك حتى لو ما تأخرتش، خد المحمول دا هدية!!"، حاولت الاعتراض: "طيب أنا هاشتري محمول".. ولكن كالعادة -وبعد محاولات كثيرة- لم تكن هديتها تقبل الرد أبدا. لا أهتم عادة بشراء ملابس جديدة في العيد، فغالبا ما أكون معتكفا أو منشغلا، ولكنها لم تنس أبدا أن تكون عندي ملابس جديدة في العيد، كما لم تنس يوما عيد مولدي الذي كنت عادة لا أتذكره إلا من مكالمتها الرقيقة التي تجريها صباحا لتكون أول من يقولها لي. خالتي -رحمها الله- التي كانت محبة للخيرات، رفضت تماما إلا أن تساهم في مشروع صناع الحياة للأستاذ عمرو خالد الذي كنا نتفاعل معه، فتكفلت بأول ملصقات طبعناها، "وبعد ذلك أصبحنا خبرة في هذا الموضوع"، فتحملت التكلفة المادية وعرفنا -على حسابها- كيف نصمم الملصق وأفضل مقاسات له وتكاليفه و.. كانت رحمها الله اجتماعية بارعة، تجمع عائلة والدتي على كثرة أفرادها على إفطار في رمضان، وتصنع ما تصنعه معي مع إخوتي وسائر أبناء خالتي، كثيرة الأسفار بفعل تناثر أماكن عائلتها لتقوم بكافة الواجبات الاجتماعية، وهي بفعل ذلك جاهزة دائما بـ"شنطتها" الصغيرة الجاهزة دوما بكل ما تحتاجه في السفر. لم تعتمر أو تسافر إلا وأتحفتني بهدية، وكلما أتحفتني بهدية ازداد سرورها لرؤيتي أستخدم التي كانت قبلها، كانت كريمة مع الجميع، تحب الأماكن والأشياء الجميلة، نشيطة في تحركاتها وتنقلاتها. عندما سافرت إلى الخارج فترة عادت تحكي لنا عن جلساتها التي كانت تقضيها مع الأخوات هناك وماذا كن يدرسن، وكانت سعيدة جدا بالتعرف إليهن، وكانت مسرورة بأعمالهن خاصة أن ذلك يتم في بلد غير عربي، وحاولت أن أوصلها أنا وشقيقتي بأخوات منطقتها، ولكن الأجل لم يمهلها. وسرعان ما دخلت المستشفى، كنت أظن مرضها سحابة صيف ستتغلب عليها بنشاطها الدائم وحبها للحياة، قضيت معها ليلتين فقط في المستشفى؛ فقد كنا نتناوب عليها مع أختي وأبناء خالتي، كنت أحزن لرؤيتها تتألم فكانت تخفي ذلك عني، وتطمئنني بقولها: "أنا بقيت كويسة، أنا كل ليلة أتعب شوية وبعدين أبقى كويسة"، وتكثر من حمد الله، والغريب أنها كانت تكثر من شكري كأنني قدمت لها شيئا عظيما. الليلة الثالثة التي أمضيتها معها كانت جميلة جدًا، كان الألم قد زال، وخرجت معها في الصباح من المستشفى عندما أتى خالي وأنهى جميع الأوراق، أوصلتها للمنزل ثم عدت أنا مرة ثانية إلى منزلي، ومضت فترة من الزمن، حضرت زفاف ابن خالتي، وكانت بصحة جيدة، ولكن سرعان ما تداعت صحتها إلى نحو مميت، ورحلت إلى بارئها خلال يومين. وقفت صائما في أول يوم من رمضان أدعو لها على قبرها، وقفت أطلب عفوها عن تقصيري تجاهها، فربما لو كنت أعلم أنها اللحظات الأخيرة ما فارقتها أبدا. مر ثلاثة رمضانات ولم تجتمع العائلة على الإفطار كعادتها إلا في واحد منها، وهو الذي ولي رحيلها مباشرة.. وكان من دون صاحبة الدعوة الأصلية، ومر أعياد ولم تهدى إلي الملابس الجديدة، ولم أشتر في معظمها ملابس جديدة لانشغالي بالاعتكاف كالعادة، كانت تريد أن تعتمر معي على الرغم من أنها أدت فريضة الحج، كما أنها اعتمرت عدة مرات، ولكنها كانت تود ذلك جدا، حتى عندما كانت في المستشفى كانت تطلب مني تجهيز أوراقي لأن رمضان قد اقترب.. ولم تكن تعلم خالتي أنه يقترب مع رحيلها. مضت خالتي وتركت أبناءها يدعون لها، تركت أبناء أخواتها وإخوانها الذين يرون فيها أمًّا لهم، وأفخر بأنني على رأسهم.. رحمك الله يا خالتي وأجزل مثوبتك وعفا عنك وطيب ثراك. أتيت يا رمضان فهيجت بنسائمك ذكريات وذكريات.
<<الصفحة الرئيسية



















