شهاب الأزهر
شهاب في سماء الحرية
.
.

من نسائم الشهر الفضيل1 (رحيل صانعة للحياة)

أتى رمضان، وهبت نسائمه الجميلة تداعب وجناتنا وذكرياتنا أيضا، أتى بالذكريات الجميلة، وأتى ذكريات من نحب، ليلة اليوم الأول من رمضان بتُّ أذكرها، أتذكر ضحكاتها، وأتذكر كلماتها، وأتذكر هدياها إلي .. وأذكر رحيلها.

 
 

ففي أول ليلة من رمضان رحلت.. مضت إلى بارئها، تاركة الدنيا بحلوها ومرها، بعسلها وعلقمها، تاركة الدنيا.. كحالنا جميعا يوما.. وقفت على قبرها ذاهلا، فقد كان رحيلها سريعا، لم يكن متوقعا بالنسبة لي، خاصة أن آخر مرة رأيتها في زفاف ابن خالتي كانت تتماثل للشفاء وسررت جدا لرؤيتها، ولكن فجأة.. وبينما أنا نائم في مسجد المدينة الجامعية.. أتاني صوت أمي عبر الهاتف النقال طالبا مني التوجه إلى المستشفى لأدرك اللحظات من حياة خالتي.

 

كان التداعي في صحتها رحمها الله سريعا جدا.. ومميتا، لم أكن أظن وأنا أبيت معها في المستشفى "لليلتين فقط" أن هذا مرضها الأخير، فقد عاشت حتى النهاية محبة للحياة، راضية بوضعها.

 

خالتي -رحمها الله- كانت  لي أما بعد أمي، تربيت معها فترة من الزمان صغيرا، وقضيت معها فترات كبيرا، عامي الأول الجامعي قضيته عندها، كما قضيت أياما كذلك من باقي الأعوام عندها، كلما رأتني نظرت إلي عبر عدسات نظارتها السميكة وتبتسم هاتفة "شوشو" -دلع شهاب يعنيJ- فتبتسم الدنيا معها، في عامي الجامعي الأول قالت لي: "اسمع يا ولد يا إرهابي أنت.. أنت الآن في الجامعة، وبعدين تكون في مظاهرة من مظاهراتك دي يقفلوا عليكم الجامعة وتتأخر ونعوز نطمئن عليك.. نطمئن ازاي؟"، قلت لها: "احنا في مسيراتنا مؤدبين جدا، ومش هنتأخر أبدا، وبعدين لك علي لو كنا هنعمل مظاهرة هقول لك قبلها"، ولكنها قالت: "لا يا حبيبي.. كده نقلق أكتر ونبقى عاوزين كل شوية نطمئن عليك حتى لو ما تأخرتش، خد المحمول دا هدية!!"، حاولت الاعتراض: "طيب أنا هاشتري محمول".. ولكن كالعادة -وبعد محاولات كثيرة- لم تكن هديتها تقبل الرد أبدا.

 

لا أهتم عادة بشراء ملابس جديدة في العيد، فغالبا ما أكون معتكفا أو منشغلا، ولكنها لم تنس أبدا أن تكون عندي ملابس جديدة في العيد، كما لم تنس يوما عيد مولدي الذي كنت عادة لا أتذكره إلا من مكالمتها الرقيقة التي تجريها صباحا لتكون أول من يقولها لي.

 

خالتي -رحمها الله- التي كانت محبة للخيرات، رفضت تماما إلا أن تساهم في مشروع صناع الحياة للأستاذ عمرو خالد الذي كنا نتفاعل معه، فتكفلت بأول ملصقات طبعناها، "وبعد ذلك أصبحنا خبرة في هذا الموضوع"، فتحملت التكلفة المادية وعرفنا -على حسابها- كيف نصمم الملصق وأفضل مقاسات له وتكاليفه و..

 

كانت رحمها الله اجتماعية بارعة، تجمع عائلة والدتي على كثرة أفرادها على إفطار في رمضان، وتصنع ما تصنعه معي مع إخوتي وسائر أبناء خالتي، كثيرة الأسفار بفعل تناثر أماكن عائلتها لتقوم بكافة الواجبات الاجتماعية، وهي بفعل ذلك جاهزة دائما بـ"شنطتها" الصغيرة الجاهزة دوما بكل ما تحتاجه في السفر.

 

لم تعتمر أو تسافر إلا وأتحفتني بهدية، وكلما أتحفتني بهدية ازداد سرورها لرؤيتي أستخدم التي كانت قبلها، كانت كريمة مع الجميع، تحب الأماكن والأشياء الجميلة، نشيطة في تحركاتها وتنقلاتها.

 

عندما سافرت إلى الخارج فترة عادت تحكي لنا عن جلساتها التي كانت تقضيها مع الأخوات هناك وماذا كن يدرسن، وكانت سعيدة جدا بالتعرف إليهن، وكانت مسرورة بأعمالهن خاصة أن ذلك يتم في بلد غير عربي، وحاولت أن أوصلها أنا وشقيقتي بأخوات منطقتها، ولكن الأجل لم يمهلها.

 

وسرعان ما دخلت المستشفى، كنت أظن مرضها سحابة صيف ستتغلب عليها بنشاطها الدائم وحبها للحياة، قضيت معها ليلتين فقط في المستشفى؛ فقد كنا نتناوب عليها مع أختي وأبناء خالتي، كنت أحزن لرؤيتها تتألم فكانت تخفي ذلك عني، وتطمئنني بقولها: "أنا بقيت كويسة، أنا كل ليلة أتعب شوية وبعدين أبقى كويسة"، وتكثر من حمد الله، والغريب أنها كانت تكثر من شكري كأنني قدمت لها شيئا عظيما.

 

الليلة الثالثة التي أمضيتها معها كانت جميلة جدًا، كان الألم قد زال، وخرجت معها في الصباح من المستشفى عندما أتى خالي وأنهى جميع الأوراق، أوصلتها للمنزل ثم عدت أنا مرة ثانية إلى منزلي، ومضت فترة من الزمن، حضرت زفاف ابن خالتي، وكانت بصحة جيدة، ولكن سرعان ما تداعت صحتها إلى نحو مميت، ورحلت إلى بارئها خلال يومين.

 

وقفت صائما في أول يوم من رمضان أدعو لها على قبرها، وقفت أطلب عفوها عن تقصيري تجاهها، فربما لو كنت أعلم أنها اللحظات الأخيرة ما فارقتها أبدا.

 

مر ثلاثة رمضانات ولم تجتمع العائلة على الإفطار كعادتها إلا في واحد منها، وهو الذي ولي رحيلها مباشرة.. وكان من دون صاحبة الدعوة الأصلية، ومر أعياد ولم تهدى إلي الملابس الجديدة، ولم أشتر في معظمها ملابس جديدة لانشغالي بالاعتكاف كالعادة، كانت تريد أن تعتمر معي على الرغم من أنها أدت فريضة الحج، كما أنها اعتمرت عدة مرات، ولكنها كانت تود ذلك جدا، حتى عندما كانت في المستشفى كانت تطلب مني تجهيز أوراقي لأن رمضان قد اقترب.. ولم تكن تعلم خالتي أنه يقترب مع رحيلها.

 

مضت خالتي وتركت أبناءها يدعون لها، تركت أبناء أخواتها وإخوانها الذين يرون فيها أمًّا لهم، وأفخر بأنني على رأسهم.. رحمك الله يا خالتي وأجزل مثوبتك وعفا عنك وطيب ثراك.

 

أتيت يا رمضان فهيجت بنسائمك ذكريات وذكريات.

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 23 شوال, 1428 09:38 م , من قبل eshteyak
من فلسطين


رحمها الله وأسكنها فسيح جناته .. وألحقها بالنبيين والصالحين والصيقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا ..

الانسان فعلاً ذكرى ..

وما أجمل أن نرحل ونترك ذكرى طيبة ليترحم من خلالها علينا كل من يذكرنا ..

بارك الله فيك ياشهاب ووفقك دوما على عمل الخير وعلى طاعة الله والتقرب إليه ..

دمت طيب الذكرى ودام من أحبهم قلبك وبارك الله في أعمارهم ..

تقبل مروري وسامحني لتأخري ..
وتقبل مودتي واحترامي وتقديري ..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.