شهاب الأزهر
شهاب في سماء الحرية
.
.

أطفال المترو 3.. ومحورية الآباء

أطفال المترو 3.. ومحورية الآباء
 
 
كان اليوم الثاني من أيام عيد الفطر المبارك، وكنت أنا وأبي في إحدى الزيارات، في إحدى المحطات وبعدما بدأت صفارة التحذير بإغلاق الأبواب دخلت طفلة صغيرة إلى العربة وأغلق الباب دون من كان معها، لمحت الموقف بطرف عيني، وهببت واقفا عندما انطلقت صرختها مكتومة وهي تراقب أخاها عبر الزجاج وتضع يدها عليه وكأنها تود اختراقه.

كانت صغيرة تزدان في حجابها وتلبس ملابس العيد الجديدة، بدأ الناس يطمئنونها بكلماتهم وهم جلوس في أماكنهم، ولكني كنت بجوارها بعد أول صرخة، وكانت يدي على كتفها بعد الثانية.. أشرت إلى أخيها وقد بدأ المترو يتحرك بأننا سننتظرك في المحطة القادمة، ثم التفت إلى الصغيرة مكفكفًا دموعها التي بدأت في الانهمار من عينيها الصغيرتين وقد تعلقتا بأخيها الذي بدأ يغيب عن ناظريها...

 

 
 

- اسمك إيه؟

- ياسمين

- الله.. اسمك جميل أوي.. ياسمين إيه؟

- ياسمين إمام

- طيب يا ياسمين أنت زعلانة ليه؟؟ احنا هنقابل أخوك في المحطة الجاية..

- صمتت قليلا لتفكر في كلماتي فأكملت

- يعني 5 دقائق وهوا هيكون جه في المترو اللي ورانا.. أنت في سنة كام؟

- سنة رابعة

- طيب يا ياسمين يعني أنت كبرتِ

- ابتسمت ابتسامة خاطفة ثم قطبت حاجبيها ثانية وهي تقول: "طيب لو ما جاش هاعمل إيه؟".

- ضحكت ضحكة خفيفة وأنا أقول: "أولا هوا إن شاء الله هييجي، ثانيا لو ما جاش هوصلك البيت.. أنت منين؟".

- من (....*)

- بجد؟ (طبعا ولا أعرفها، فقط أسمع اسمها من سائقي الميكروباصات)

- آه

- طيب يعني ليكم عربيات من هنا

- آه

- طيب ولو نزلت بلدكم مش تعرفي البيت تروحي لوحدك؟

-  آه

- طيب زعلانة ليه بقى يا ياسمين؟ قلتها وأنا أداعبها

ابتسمت ياسمين بينما لا تزال قلقة ونزلنا في المحطة واستأذنت أبي في الانتظار معها حتى يأتي أخوها فجلس ينتظرني بينما عينا الصغيرة تنتظر القطار الذي سيأتي بأخيها في ترقب.

- التفتت الصغيرة إلي فجأة وسألتني: "أنت تعرف بلدنا؟".

- لم أرد أن أرد بالنفي فتضيع آمالها فرددت بسؤال: "مش أنت من (....*)؟".

- في سعادة ردت: "أيوة.. طيب تعرف الأستاذ إمام؟".

- في استغراب رددت متسائلا: "الأستاذ إمام؟"

- آه الأستاذ إمام المحامي

- تذكرت اسمها ففهمت أنه أبوها فرددت بسرعة: "والله.. أنت بنت الأستاذ إمام المحامي؟".

انفرجت أسارير الصغيرة وتهلل وجهها وهي تهز رأسها بالإيجاب، سررت جدا أنها نبذت قلقها عندما ظنت أنني أعرف أباها، (طبعا ولا سمعت عنه ولكني أوحيت لها ذلك فقط من الكلام لطمأنتها)، نظرت نظرة خاطفة إلى أبي وهو جالس ينتظرني مبتسمًا ابتسامة أقرب إلى الضحك على أسلوبي، يبدو أن الصغيرة أسعدها جدا ظنها أني أعرف أباها فوضعت يدها في يدي وراحت تنتظر المترو في سعادة غامرة وشعور بالأمان.

ذكرتني ياسمين بأيام طفولتي، وكيف أنني كنت أظن مثلها أن الدنيا كلها تعرف أبي، فأبي كان محور الحياة بالنسبة لي، لا يوجد أحد على وجه البسيطة لا يعرف أبي طبعا، في المعهد الأزهري أو النادي أو الشارع أو أي مكان.. يجب أن يكون الجميع يعرفون أبي، ويكفي فقط عند أي مشكلة أن أعرفهم أنني ابنه ليساعدني الجميع.

ذكرتني ياسمين أن هناك أشخاصا يمثلون محور الحياة بالنسبة لآخرين، ربما في فترة ما من أعمارهم، ولكنهم كانوا يعنون لهم كل شيء..

أتى أخو ياسمين وأخذها ثم شكرنا ومضى، وذهبت أنا إلى أبي وتركت يدي تدخل بين كفه كما كنت أفعل عندما كنت صغيرا، وكأن ياسمين قد بعثت في مشاعر الطفولة.

ولكن ما بعثته داخلي ياسمين لم يكن مشاعر الطفولة فحسب، بل نبهتني أيضا أن محور الحياة عندي ومحور الأمان قد تبدل وتغير، فالطفل الصغير ربما يمثل له أبوه محور الأمان، ولكنه سرعان ما يكبر وتتسع مداركه ليدرك أن الحياة أكثر شراسة، البعض تلتهم قلوبهم قسوة الحياة، والبعض الآخر يتعلقون بمحور أقوى يجابهون به الدنيا كلها.. وقد فعلت واخترت محورا جديدا ألجأ إليه في كل ملمة.. هل تعرفونه؟؟

 

إنه ربي..

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.