شهاب الأزهر
شهاب في سماء الحرية
.
.

وسيبقى الأزهر شوكة في حلق الطغاة

غيروا المناهج.. عينوا أفرادا لا يمثلون الأزهر في مناصب قيادية.. استباحوا مدينته الجامعية.. اعتقلوا أبناءه.. استبعدوهم من المدن الجامعية.. حولوهم إلى مجالس تأديب.. منعوهم من دخول الامتحانات..

هذه بعض مظاهر مسلسل تقويض الأزهر الطويل الذي اتسعت خطاه وتواترت أحداثه في الفترة الأخيرة، يبدو أن طلاب الأزهر وأبناءه دونا عن أبناء الحركة الطلابية كلها صاروا كابوسا مفزعا وشوكة عصية في حلق الطغاة.

زمن مضى يا مسجدي العزيز وهم يكيدون ويمكرون ويفرغون مناهجك من محتوياتها، ويشوهون صورة طلابك ويسخرون منهم، ويستبعدون الصالح ويصدرون الطالح، وأخيرا سجنوا أبناءك وعذبوهم واستبعدوهم.. ولا زلت تقف شامخا.. يقذفونك بمناصب يعينون فيها من أرادوا ليسيئوا إليك ويسكتوا صوتك.. فتقذفهم بالأبناء والشباب يحيون القرى والمدن من حيث لا يحتسبون.

بالأمس (منذ عام).. اتهموا أبناءك بالإرهاب وانحراف الفكر وتنظيم المليشيات، وما علموا أن نور الفكر وطمأنينة الأمن تنبع من ربوعك، وأخذوهم من محاريب العلم إلى أقبية السجون.. واليوم.. وحتى بدون حجة واهية كالعام الماضي.. عاودوا الكرة، وهجموا على أبنائك، ترى بأي افتراء هذه المرة.

عذرا يا مسجدي.. يبدو أن الطغاة أغبياء.. لا يعلمهم التاريخ، لم يتعلموا من التاريخ أنه ما من طاغٍ امتدت يده إلى أبنائك الربانين بسوء إلاّ قصمه الله، لم يتعلموا ممن سبقهم من الطغاة أن الأزهر بمئذنته المزدوجة قصم الله لأبنائه الدعاة إلى نهجه ملوكا جبابرة، لم يفطنوا إلى سبب توجه الناس في كل ملمَّة إليك يا مسجدي للتظاهر دون كل المساجد؛ فالناس تعرف أنه من هنا تخرج العلماء والمفكرون.. والثوار أيضا.

إنك تقف غصة في حلقهم.. شوكة في أعناقهم.. أبناؤك كابوس يؤرقهم، يستبعدونهم ويبالغون في اعتقالهم، أبناء جامعة الأزهر من العلماء والأطباء والأساتذة تم اغتيال أحلامهم، رموا في السجون مع المجرمين، وتعمدوا جمعهم مع المجرمين الخطرين حتى يتحرشوا بهم، في المرة الأخيرة اعتدوا على طلاب كلية التربية وضربوهم و... (اعذروني.. فلن أقول ما فعلوه).

ما أغبى النظام الحاكم فيك يا وطني، ألا يعلم هؤلاء الحمقى أن أي مواجهة مع الطلاب مهما بلغ جبروتهم هي مواجهة خاسر، كم سيعيش قادة هذا النظام الغاشم؟ وكم سيعيش هؤلاء الطلاب، وكم سيعيش إخوانهم الذي رأوا ظلمكم، ربما صمتوا حينها خوفا، ولكنهم سينطقون، وسيعملون على تقويض دعائم ظلمكم، إنهم المعلمون والتربويون الذين سينشئون الأبناء والطلاب والمجتمع من حولهم على رفض ظلمكم، سيزرعون الكرامة والإباء في أجيال قادمة.

إنني لا أخشى على الأزهر من كيد أعدائه ومحاولة تقويضه من الخارج؛ فهو ولله الحمد والمنة تعرض لها عبر تاريخه الطويل، واندحرت كل هذه المحاولات على الرغم من شراستها خائبة، ولكن ما أخشاه الآن على الأزهر هو محاولات تفريغه من مضمونه، وأن ينطق بلسانه ويتصدر في شئونه من لم يرفعوا بالعلم رأسا، أن يتم تغيير مواده وعلومه ليدرس أبناؤه في المقابل مواد وعلوما أو كتبا هشة لا تعلم ولا تربي..

ما رأيكم إخواني.. هل ترون الليث الكريم يعبر ما أعد حوله من خنادق حفرها أبناء مغررون وأعداء حاقدون؟

قف في ربوع المجد وابك الأزهرا *** واندبه روضًا للمكارم أقفرا

واكتب رثاءَكَ فيهِ نفثةُ موجَعٍ *** واجعل مدادَكَ دمعَك المتحدرا

المعهد الفرد الذي بجهاده *** بلغت بلاد الضاد أعراف الذُّرَى

سار الجميع إلى الأمام وإنه *** في موكب العلياء سار القهقرَى

أترى تعود إلى المريض سلامةٌ *** أم تصرع الأسقام من قد عُمَّرا؟!

كم أتمنى أن تكون إجابة التاريخ كما جاءت أبيات الشاعر نفسه عن الأزهر في قصيدة أخرى:

أليست حياة الضاد بالأزهر الذي *** تظللها أفياؤه وستائره؟

بباطن هذا الأمر للدين طعنة *** وإن كان لم يحمل سوى الخير ظاهره

حذار من الليث الكريم فإنه *** ليوشك أن ينأى عن الحلم صابره
 
 ومهما أعدَّت حوله من مزالقٍ *** ستعبرها راياته وشعائره

(0) تعليقات

طافت القلوب ولم تطف الأبدان

"طافت القلوب ولم تطف الأبدان..." كان هذا هو رد الشيخ الكبير الكفيف الذي وصف الحرم فلم ينقص منه شيئا، بل ربما تسمع وصفه من مبصر فلا يستطيع أن يصفه كما وصفه هذا الشيخ، وكانت المفاجأة عندما سأله أحد الحضور عما إذا كان قد حج أو اعتمر أم لا –وكنا نعتبر هذا السؤال من فضلة القول لأنه بالتأكيد زاره أكثر من مرة على هذا الوصف- فجاء رده مفاجئا لتوقعاتنا: "طاف القلب... ولم يطف البدن بعد!!".

 
وبقدر ذهولي من إجابته فقد كانت أعجب من وصفه الحرم وما فيه وما تشعره عن أداء كذا وكذا.. لقد كانت معبرة إلى أبعد الحدود عن رجل هزه الشوق إلى زيارة البيت العتيق، إذا كانت الكتب والحكايات كافية ليعرف أوصاف البيت وأركانه وأوصافه فإنها لن تجمع أبدا مشاعر الحاج عند كل منسك.. وهذا ما حكاه ووصفه الرجل الكفيف بجانب أشكال وأوصاف الحرم والمناسك.
 

 
كلمات قليلة ظلت تطوف بفكري كلما رأيته، وبعدها بأيام عندما كنت أقرأ له شيئًا سألته عن حديثه ذلك ووصفه وكيف أنه لم يزر البيت بعد... كانت عيناه تترقرق حينما قال: "هيـيـيـه يا محمد.. كم من حاج مضى إلى خالقه دون طواف أو سعي.. أتظن من يخلع ثيابه حاجا؟.. إنه من ينخلع قلبه ويهوي فؤاده لتلبية النداء".
 
كان يكفي لتفهم معنى الشوق إلى زيارة البيت العتيق، وتعلق الأفئدة بتلبية نداء ربها أن تسمع شيخنا هذا يتمثل بأبيات عبد الرحيم البرعي من على منبره مخاطبًا الحجيج:
 
يا راحلين إلى منى بفؤادي *** شوقتموا يوم الرحيل قيادي

بالله يا زوار قبر محمدٍ *** من كان منكم رائحا أو غادي

فليبلغ المختار ألف تحيةٍ *** من عاشق متقطع الأكبادِ

 
ربما فهمت الكلمات حينها بعقلي، ولكني لم أدركها، أدركتها عندما عشت استعدادات الحج بين الحجاج.. ثم سافروا إلى الحج ولم أسافر، وظللت أتابعهم على شاشات التلفيزيون وأسمع تلبيتهم وتكبيرهم، أراهم يطوفون فيطوف قلبي معهم.. كم من دمعة ذرفتها لأني كنت أتمنى أن أكون هناك ألبي معهم.
 
فهمت بعد ذلك أن لله حجاجا يقصدون ولا يصلون.. ولله أناسا وصلوا ولم يقصدوا فليسوا بحجاج، فهمت معنى أن "الحج هو القصد" كما يعرفونه، وما معنى أن تقصد ويحرم قلبك بنزع الهوى وحب الدنيا قبل أن يحرم جسدك بنزع المخيط.
 
عرفت كيف يهوي الفؤاد مع الأفئدة التي تهوي مصداقا لدعوة سيدنا إبراهيم، وكيف يطوف القلب، وفهمت كيف تغزل شيخي الكفيف في ألوان حمام الحرم وأمانه وطوافه وشكله..
 
عرفت قلوبا تسعى للقاء ولا تدركه، فتلبي.. وتحرم.. وتطوف.. وتقف.. وتدعوا.. وترجوا.. وتأمل مغفرة الله.
 
وربما تدرك تلك القلوب من روحانيات الحج وفيوضه ما يدركه من كان بمكة أو عرفات محرما حينها.. ولعلها تدرك ذلك من مغفرة الله ورحمته أيضا.
 
بت ليلة عرفة أحلم بمناسك الحج كاملة، حتى مشقته وزحام الحجاج.. وأطعمت حمام الحمى بعضا من الحبوب والخبز الذي كان معي، واستيقظت لأجد الحجاج يقفون بعرفة، لم أتمالك نفسي فلبيت ورددت معهم ويوم التحلل ذهبت فقصرت شعري كما لو كنت حاجًّا معهم..
 
بعدها فهمت كيف تطوف القلوب قبل الأبدان.
 
لا تضيعوا هذه الأيام المباركات.. ورحبوا معي بـ"د.مرح" مدونا معنا

 

(0) تعليقات

مصر يا أول نور في الدنيا .. شق ظلام الليل

"مصر يا أول نور في الدنيا .. شق ظلام الليل"

 

هكذا غناها محمد ثروت، وهكذا أعجبتني جدا، وكنت أردد مرارا هذه الكلمة عندما كنت صغيرا.. "مصر يا أول نور في الدنيا شق ظلام الليل"، في المعهد.. في الشارع.. أثناء اللعب مع زملائي.. لم أكن أملُّ من ترديدها.

 

وكان حبي لمصر حينها جارفا ساذجا، فمصر هي أمي.. ونيلها هوَّا دمي، وشمسها في سماري حتى لوني قمحي لو نيلك يا مصر.

 

لم أكن أقبل كلمة تقال عن مصر، وإذا عارضني أحد في رؤيتي وطلب مني دليلا على ذلك فسأنبري مدافعا لأخرج لها تاريخا مجيدا.. وربما أهاجم ذلك المتخاذل الخائن الذي يحاول تشويه صورة مصر الناصعة البيضاء.

 

ولكن الصغير لا يظل صغيرا طوال حياته، وسرعان ما ستتفتح عينا الصغير ويشرق الصباح ليرى نور الشمس ليكف عن التغني بقوة شعاع الشمعة الذابلة الهزيلة.

 

سريعا يدرك الفتى الصغير لم يكن في مصر نور يشق ظلام الليل إلا نور سيارات الأمن المركزي التي تختطف الشرفاء من بين أبنائهم.

 

ويرى الصغير أن النيل ليس دمه؛ لأنه لو شرب منه فسيصاب بتسمم بسبب المصانع والنوادي العائمة بتاعت المفسدين التي ترمي مخلفاتها في النيل.. والنيل لم يعد لونه أسمر لون الطمي الذي كان يأتي معه قبل السد العالي، ولكنه صار أسود بلون مخلفات المفسدين.. حتى الشمس التي تلقي أشعتها على بشرته السمراء.. حجبتها السحابة السوداء، الأكثر أسفا هذه المرة أن هذه السحابة ناتجة من ابن مصر الفلاح الأصيل الذي لم يعد يشعر أنها بلده فحرق مخلفات مزروعاته غير آبه بما تحدثه في بلده.. فهي لم تعد بلده أو لم يعد يشعر بهذا.. إنها مصر فلان أو علان.. بلد الفاسدين والمرتشين وأبناء الوزراء والنافذين في الحزب الحاكم.
 

 

 
سرعان ما يرتطم الصغير بحقيقة أن النور الذي شق ظلام الليل قد أخذ أباه ليلا، وأنه أصيب بالتسمم جراء مياه النيل التي لوثها المفسدون ولم يحاسبوا لأنهم -من الآخر- مسنودون، وينظر إلى مصر -التي هي أمه- يهضم فيها حقه ويذهب سدى.

 

أين عبارات التاريخ الرنانة والمواقف الشامخة للمصريين؟ أين كرامتهم وحريتهم وإبائهم وإبداعهم؟ هل سحق رغيف العيش ذلك كله؟ هل دارت رحى الدولار على أخلاق المصري ومبادئه فهشمتها؟ هل أطلقت العولمة الرصاصة الأخيرة على تدين المصري وصلابته؟

 

أين التاريخ الذي يشهد لهم؟.. أم أين المصريين الذين يشهد لهم؟

 

ربما كان عقلي حينها صغيرًا؛ فقد كنت أبحث عن المصري الذي أعرفه في التاريخ كما هو، بخوذته ولثامه وفرسه، الأسمر مقطب الحاجبين، قوي الساعد واسع العينين.. يركب فرسه كما لو كان ينتمي إلى عصر ما غير عصرنا هذا.

 

ولكننا نعيش الآن في عصر جديد، عصر لم يعد الفرسان فيه يلبسون الدروع الحصينة على صدورهم، ولم يعد الفرسان يتقلدون سيف بيبرس أو قطز ولا يركبون ظهر الشموس أو البلقاء، ولكنهم الآن ربما يلبسون بذلة.. أو قميصا.. أو.. ولا يتقلدون غير إيمانهم، ولا يمتطون إلا مهاراتهم وعلومهم وخبراتهم أو ذكائهم.

 

حينما تدرك ذلك ستعرف أنه لا يزال في مصر نور، وأنها برغم المفسدين لا تزال أم الدنيا، وتعلم يقينا أن مصر ليست مصر الحزب الوطني ذات الشمس المتوارية خلف السحابة السوداء والنيل الأسود ذي الرائحة الكريهة.. وربما تقولها جليا: "معذرة هذه ليست مصر مبارك، ولا مصر جمال.. هذه ليست مصر الحزب الوطني.. هذه مصر الشعب الطيب المرابط، والأرض المباركة السهلة، هذه مصر الشرفاء.. مصر العلماء.. مصر الأحرار والمرابطين".

 

حينما تعرف ذلك لين يظل حبك ساذجا، سترى فساد المفسدين ونهب اللصوص في بلدك.. انتظر.. يجب ألا ينقص ذلك من حبك لمصر، بل عليه أن يجعله أقوى وأكثر وعيا.

 

رجاء وأنت تجلس الآن تقرأ رددها بينك وبين نفسك.. قلها هيا.. قلها ولا تخجل: "هذه مصري أنا.. مصر دي بلدي".

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية


.
.