"مصر يا أول نور في الدنيا .. شق ظلام الليل" هكذا غناها محمد ثروت، وهكذا أعجبتني جدا، وكنت أردد مرارا هذه الكلمة عندما كنت صغيرا.. "مصر يا أول نور في الدنيا شق ظلام الليل"، في المعهد.. في الشارع.. أثناء اللعب مع زملائي.. لم أكن أملُّ من ترديدها. وكان حبي لمصر حينها جارفا ساذجا، فمصر هي أمي.. ونيلها هوَّا دمي، وشمسها في سماري حتى لوني قمحي لو نيلك يا مصر. لم أكن أقبل كلمة تقال عن مصر، وإذا عارضني أحد في رؤيتي وطلب مني دليلا على ذلك فسأنبري مدافعا لأخرج لها تاريخا مجيدا.. وربما أهاجم ذلك المتخاذل الخائن الذي يحاول تشويه صورة مصر الناصعة البيضاء. ولكن الصغير لا يظل صغيرا طوال حياته، وسرعان ما ستتفتح عينا الصغير ويشرق الصباح ليرى نور الشمس ليكف عن التغني بقوة شعاع الشمعة الذابلة الهزيلة. سريعا يدرك الفتى الصغير لم يكن في مصر نور يشق ظلام الليل إلا نور سيارات الأمن المركزي التي تختطف الشرفاء من بين أبنائهم. أين عبارات التاريخ الرنانة والمواقف الشامخة للمصريين؟ أين كرامتهم وحريتهم وإبائهم وإبداعهم؟ هل سحق رغيف العيش ذلك كله؟ هل دارت رحى الدولار على أخلاق المصري ومبادئه فهشمتها؟ هل أطلقت العولمة الرصاصة الأخيرة على تدين المصري وصلابته؟ أين التاريخ الذي يشهد لهم؟.. أم أين المصريين الذين يشهد لهم؟ ربما كان عقلي حينها صغيرًا؛ فقد كنت أبحث عن المصري الذي أعرفه في التاريخ كما هو، بخوذته ولثامه وفرسه، الأسمر مقطب الحاجبين، قوي الساعد واسع العينين.. يركب فرسه كما لو كان ينتمي إلى عصر ما غير عصرنا هذا. ولكننا نعيش الآن في عصر جديد، عصر لم يعد الفرسان فيه يلبسون الدروع الحصينة على صدورهم، ولم يعد الفرسان يتقلدون سيف بيبرس أو قطز ولا يركبون ظهر الشموس أو البلقاء، ولكنهم الآن ربما يلبسون بذلة.. أو قميصا.. أو.. ولا يتقلدون غير إيمانهم، ولا يمتطون إلا مهاراتهم وعلومهم وخبراتهم أو ذكائهم. حينما تدرك ذلك ستعرف أنه لا يزال في مصر نور، وأنها برغم المفسدين لا تزال أم الدنيا، وتعلم يقينا أن مصر ليست مصر الحزب الوطني ذات الشمس المتوارية خلف السحابة السوداء والنيل الأسود ذي الرائحة الكريهة.. وربما تقولها جليا: "معذرة هذه ليست مصر مبارك، ولا مصر جمال.. هذه ليست مصر الحزب الوطني.. هذه مصر الشعب الطيب المرابط، والأرض المباركة السهلة، هذه مصر الشرفاء.. مصر العلماء.. مصر الأحرار والمرابطين". حينما تعرف ذلك لين يظل حبك ساذجا، سترى فساد المفسدين ونهب اللصوص في بلدك.. انتظر.. يجب ألا ينقص ذلك من حبك لمصر، بل عليه أن يجعله أقوى وأكثر وعيا. رجاء وأنت تجلس الآن تقرأ رددها بينك وبين نفسك.. قلها هيا.. قلها ولا تخجل: "هذه مصري أنا.. مصر دي بلدي".
.
.
الاثنين, 24 ذو القعدة, 1428
ويرى الصغير أن النيل ليس دمه؛ لأنه لو شرب منه فسيصاب بتسمم بسبب المصانع والنوادي العائمة بتاعت المفسدين التي ترمي مخلفاتها في النيل.. والنيل لم يعد لونه أسمر لون الطمي الذي كان يأتي معه قبل السد العالي، ولكنه صار أسود بلون مخلفات المفسدين.. حتى الشمس التي تلقي أشعتها على بشرته السمراء.. حجبتها السحابة السوداء، الأكثر أسفا هذه المرة أن هذه السحابة ناتجة من ابن مصر الفلاح الأصيل الذي لم يعد يشعر أنها بلده فحرق مخلفات مزروعاته غير آبه بما تحدثه في بلده.. فهي لم تعد بلده أو لم يعد يشعر بهذا.. إنها مصر فلان أو علان.. بلد الفاسدين والمرتشين وأبناء الوزراء والنافذين في الحزب الحاكم.
سرعان ما يرتطم الصغير بحقيقة أن النور الذي شق ظلام الليل قد أخذ أباه ليلا، وأنه أصيب بالتسمم جراء مياه النيل التي لوثها المفسدون ولم يحاسبوا لأنهم -من الآخر- مسنودون، وينظر إلى مصر -التي هي أمه- يهضم فيها حقه ويذهب سدى.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.























