"طافت القلوب ولم تطف الأبدان..." كان هذا هو رد الشيخ الكبير الكفيف الذي وصف الحرم فلم ينقص منه شيئا، بل ربما تسمع وصفه من مبصر فلا يستطيع أن يصفه كما وصفه هذا الشيخ، وكانت المفاجأة عندما سأله أحد الحضور عما إذا كان قد حج أو اعتمر أم لا –وكنا نعتبر هذا السؤال من فضلة القول لأنه بالتأكيد زاره أكثر من مرة على هذا الوصف- فجاء رده مفاجئا لتوقعاتنا: "طاف القلب... ولم يطف البدن بعد!!". بالله يا زوار قبر محمدٍ *** من كان منكم رائحا أو غادي فليبلغ المختار ألف تحيةٍ *** من عاشق متقطع الأكبادِ 
.
.
الاربعاء, 03 ذو الحجة, 1428
وبقدر ذهولي من إجابته فقد كانت أعجب من وصفه الحرم وما فيه وما تشعره عن أداء كذا وكذا.. لقد كانت معبرة إلى أبعد الحدود عن رجل هزه الشوق إلى زيارة البيت العتيق، إذا كانت الكتب والحكايات كافية ليعرف أوصاف البيت وأركانه وأوصافه فإنها لن تجمع أبدا مشاعر الحاج عند كل منسك.. وهذا ما حكاه ووصفه الرجل الكفيف بجانب أشكال وأوصاف الحرم والمناسك.
كلمات قليلة ظلت تطوف بفكري كلما رأيته، وبعدها بأيام عندما كنت أقرأ له شيئًا سألته عن حديثه ذلك ووصفه وكيف أنه لم يزر البيت بعد... كانت عيناه تترقرق حينما قال: "هيـيـيـه يا محمد.. كم من حاج مضى إلى خالقه دون طواف أو سعي.. أتظن من يخلع ثيابه حاجا؟.. إنه من ينخلع قلبه ويهوي فؤاده لتلبية النداء".
كان يكفي لتفهم معنى الشوق إلى زيارة البيت العتيق، وتعلق الأفئدة بتلبية نداء ربها أن تسمع شيخنا هذا يتمثل بأبيات عبد الرحيم البرعي من على منبره مخاطبًا الحجيج:
يا راحلين إلى منى بفؤادي *** شوقتموا يوم الرحيل قيادي
ربما فهمت الكلمات حينها بعقلي، ولكني لم أدركها، أدركتها عندما عشت استعدادات الحج بين الحجاج.. ثم سافروا إلى الحج ولم أسافر، وظللت أتابعهم على شاشات التلفيزيون وأسمع تلبيتهم وتكبيرهم، أراهم يطوفون فيطوف قلبي معهم.. كم من دمعة ذرفتها لأني كنت أتمنى أن أكون هناك ألبي معهم.
فهمت بعد ذلك أن لله حجاجا يقصدون ولا يصلون.. ولله أناسا وصلوا ولم يقصدوا فليسوا بحجاج، فهمت معنى أن "الحج هو القصد" كما يعرفونه، وما معنى أن تقصد ويحرم قلبك بنزع الهوى وحب الدنيا قبل أن يحرم جسدك بنزع المخيط.
عرفت كيف يهوي الفؤاد مع الأفئدة التي تهوي مصداقا لدعوة سيدنا إبراهيم، وكيف يطوف القلب، وفهمت كيف تغزل شيخي الكفيف في ألوان حمام الحرم وأمانه وطوافه وشكله..
عرفت قلوبا تسعى للقاء ولا تدركه، فتلبي.. وتحرم.. وتطوف.. وتقف.. وتدعوا.. وترجوا.. وتأمل مغفرة الله.
وربما تدرك تلك القلوب من روحانيات الحج وفيوضه ما يدركه من كان بمكة أو عرفات محرما حينها.. ولعلها تدرك ذلك من مغفرة الله ورحمته أيضا.
بت ليلة عرفة أحلم بمناسك الحج كاملة، حتى مشقته وزحام الحجاج.. وأطعمت حمام الحمى بعضا من الحبوب والخبز الذي كان معي، واستيقظت لأجد الحجاج يقفون بعرفة، لم أتمالك نفسي فلبيت ورددت معهم ويوم التحلل ذهبت فقصرت شعري كما لو كنت حاجًّا معهم..
بعدها فهمت كيف تطوف القلوب قبل الأبدان.
لا تضيعوا هذه الأيام المباركات.. ورحبوا معي بـ"د.مرح" مدونا معنا
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.



















