شهاب الأزهر
شهاب في سماء الحرية
.
.

أطفال المترو 2 .. والمواطنة

 
في البداية أحب أن أنوه إلى أن تاريخ هذه القصة يسبق ما أثير حول مصطلح "المواطنة" في التعديلات الدستورية الأخيرة.
 

نزلت من المترو في محطة "رمسيس" أو "مبارك" ـ(متفرقش كل واحد منهم طاغية كبس على نفس شعبه فترة طويلة)ـ، توجهت إلى اللافتة المشيرة نحو اتجاه حلوان قاصدا نقابة الصحفيين التي تقع في محطة "الإسعاف" أو عبد الناصر، بمجرد نزالي وصل إلى مسامعي صوت بكاء مكتوم، لم يلفت نظري كثيرا، ولكن كلما اقتربت من اتجاه حلوان كان الصوت يقترب ... ويزداد، تبينت الآن مصدر الصوت، إنه فتى صغير يبكي والناس تقف لتسأله فلا يجيب وسرعان ما يتركه من وقف يسأله ويمضي في طريقه، عندما وصلت إليه كان الفتى يبكي بطريقة هيستيرية أشبه بالنحيب، وكان رجل وامرأتان يسألانه عما به.

الفتى لم يكن يجيب من حوله وكأنه لا يسمعهم أو يأبه بهم، الرجل بدأ يكلمه بانفعال مما دفعني إلى أضع يدي كتف الفتى بمجرد وصولي إليه، وافتعال موقف لأصرف الرجل، وأذلهل الفتى بذات الوقت لعله ينتبه إلى من حوله.

وضعت يدي على كتفه وقلت بطريقة مصطنعة: الحمد لله... أخيرا لقتيك

ثم التفت إلى الرجل والسيدتين وقلت: معلش ابن عمتي وأول مرة ينزل مصر والمترو قفل قبل ما يركب.

انصرف الرجل ونظر الولد إلي سريعا بذهول ولكنه عاد ينظر في الأرض وكأنه يبحث عن شيء، أمسكت بيد الفتى بقوة وجذبته إلى أقرب مقعد وجلسنا، وضع وجهه بين كفيه وراح يواصل البكاء، أعطيته منديلا وأنا أقول له: إهدأ علشان نعرف نحل المشكلة مع بعض، لو فضلت تعيط مش هانعمل حاجة.

سألته: إنت تايه؟

لم يجب وراح يبحث في الأرض ثانية عن شيء ما

سألته: إنت إيه اللي ضاع منك؟

الولد: 10 جنيه

طبعا أخوكم كان كل اللي معاه 8 جنيه، والولد قالها وهو يبدأ فاصلا جديدا من البكاء بعد توقف دام ثانيتين، مما دفعني لتغيير الموضوع بسرعة.
 
- انت في سنة كام؟ 
 
-أنا مش في مدرسة.
 
- محاولا تصليح الوضع: طيب عندك كام سنة؟
 
- 11
 
- طيب يعني كبرت أهو... ممكن تمسك نفسك شوية علشان نحل المشكلة؟
 
- الولد متماسكا بعض الشيء : حاضر.
 
انت اسمك إيه يا حبيبي
 
- ماجد.
 
- ماجد إيه
 
- ماجد ﭽورﭺ.
 
- طيب يا ماجد العشرة جنيه دي وقعت منك فين؟
 
- مش عارف.. وبعدين دي بتاعت الأسطى، ولو رحت له من غيرها هيضربني!!.

طبعا أخوكم كان في موقف لا يحسد عليه، حيث إني كنت في طريقي للذهاب وما معي لن يكمل الـ10 جنيهات، والولد لا يطمع في أن أعطيه شيئا ولذا فهو يمشط رصيف المحطة بنظره جيئة وذهابا ويعيد البحث عن النقود في جيوبه، وعند كلمة هيضربني راح يشهق محاولا التماسك عن البكاء.

حسمت أمري وقررت أن أسير حتى ميدان التحرير ثم العودة بالباص على زحامه مشقته وأخرجت سبعة جنيهات ونصف واحتفظت بنصف جنيه للباص، وقلت له: بص يا ماجد.. أنا مش معايا إلاّ دول.. ممكن تبقى تتصرف في 2 جنيه ونصف تكلم بيهم الـ10؟
 
- الولد بسعادة غامرة: آه أنا ممكن أجيبهم من الـ"بقشيش".
 
- طيب الحمد لله ... كده اتحلت
 
- عمو ... انت اسمك إيه؟
 
- اسمي (.... ....).
 
- طيب هقابلك تاني ازاي؟
 
- تقابلني ليه؟
 
- علشان أديك الفلوس ... أنا ممكن بكره أكون جمعتهم من البقشيش وأجيبهم لك..
 
- قاطعته قائلا: بص يا ماجد .. لما عمو بيديك حاجة بترجعها له؟
 
- الولد مبتسما: لأ.
 
- طيب ... مع السلامة يا ماجد

بقي أن أخبركم أنني قابلت أحد زملائي وروحت على حسابه.

(6) تعليقات

أفكار ميديا تقصف ألعاب الصهيونية والأمريكية بصاروخين "تحت الحصار" و"تحت الرماد" في لعبة رائعة

اكتشفت ذات مرة وأنا أتابع الأطفال وهم يلعبون في الـ"سيبر" أن رحى الحرب الدائرة على المسلمين لا تقف عند حدود الدماء المتناثرة والأشلاء المبعثرة، ولكني وجدت حربا جديدة وغزوا جديدا ... ربما تدور رحى هذه الحرب في كل بيت، وفي كل عقل من عقول أطفالنا وأشبالنا، اكتشفت أن أطفالنا أيضا مضطهدون، وأن ثقافة النقص والدونية يحاولون زراعتها في أطفالنا منذ الصغر، كل هذه الأفكار دارت في أسي وأنا أتابع الأطفال مدهوشا وهم يقتلون -(في اللعبة)- العراقيين ذوي اللحى، ويرفعون العلم الأمريكي في فخر واعتزاز!!.

لم يقف القتل عند حدود العراق، ولكنه طال مصر ولبنان والجزائر وبضعة دول إسلامية أخرى، وتناهت إلى مسامعي أصوات عربية تصدر من "الإرهابيين" الذين يقتلهم الأطفال بسرور بالغ، حيث راحوا يقولون: "شفت واحد هناك، هو هنا، آآه هموت هموت"، وتحصن الإرهابيون في بعض هذه الألعاب داخل الهرم وأبو الهول، وقاتل أبناؤنا العراقيين بضراوة في الفلوجة والرمادي وبعقوبة في لعبة "ديزرت ستورم أو عاصفة الصحراء"، وحرروا أسرى خطفهم الإرهابيون من جنوب لبنان (وطبعا تعرفون أسرى من أي جنسية)، واستعادوا معلومات وشفرات ثمينة من جهاز كمبيوتر كان الإرهابيون المتحصنون على ضفاف النيل قد حصلوا عليها في لعبة "دلتا فورس".

طبعا كان الأطفال يفعلون ذلك بسعادة بالغة كلما حققوا للأمريكيين انتصارا، وربما راحوا يكيلون لبعض "الإرهابيين" السباب إذا منعوهم في محاولة ما، كان ذلك يدور أمام عيني وأنا فاغر فاي مما يحدث، فقد أدركت أنهم يرسخون في عقول أبنائنا وبأيديهم أنهم دائما المنتصر.. دائما، وأن "الإرهابيين" (يعني المسلمين طبعا) دوما على خطأ.
ولأنني بالطبع أعلم جيدا أنه من غير المنطقي أن أدعو الجميع إلى الكف عن اللعب من أساسه، خاصة الأطفال الذين يمثل لهم اللعب أمرا جوهريا، فإنني ما إن وجدت لعبة تنافس في تقنياتها ونقاء صورتها هذه الألعاب أردت أن أضعها بين أيديكم لنغير ما ترسخ في أذهان أولادنا من أنهم يجب أن ينحازوا دائما للجانب الأمريكي.

"تحت الرماد".. هكذا بدأت اللعبة، وحملت حينها شعارا كان قاسيا جدا "لكي يبقى لنا مكان تحت الشمس"، حين رأيت ذلك الشعار أول مرة ترقرقت دمعة في عيني وأنا أتذكر "شرّقي أو غربي وأمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك"، وبالطبع حينها اشتريت اللعبة من معرض الكتاب، ولكن حالت ظروف دون اختبارها وإن كنت قد رأيت بدايتها، وسرعان مازارنا أحد أقاربنا فأهديت ابنه الاسطوانة التي لم أختبرها بسبب عطل في الجهاز.

ومرت أعوام وأنا لا أجد لعبة ذات تقنية عالية، خاصة أنني عاودت البحث المتقطع عن لعبة ذات تقنية وجودة لأمررها لأشبالي، وللأسف فقد اتسمت أغلب الألعاب العربية بالضعف التقني وعامل جذب الأطفال، ولكن منذ أيام وأنا على موقع إسلام أون لاين دخلت دليل المواقع ودخلت مواقع الأطفال لأجد موقع "تحت الحصار" أو النسخة الجديدة من تحت الرماد.

إن روعة اللعبة الجديدة -التي جربت منها نسخة "ديمو" حملتها من على الموقع- لا تكمن فقط في كونها عربية وأنك تحاب مع الفلسطينيين فحسب، ولكنها تتجاوز ذلك إلى جودة تقنية عالية تكاد تنافس الألعاب العالمية، وإن كنا نأمل منها المزيد، كما أنها تعرض أماكن في فلسطين مثل جنين والحرم الإبراهيمي.

لا أملك إلاّ أن أحيي عمل أفكار ميديا وأعلن لها وأقوم لها بالدعاية، ربما سأراسلهم أو أسأل عن مراكز توزيعهم بهدف الحصول على نسخة، وأدعوكم كذلك للحصول على نسختكم من تحت الحصار، حاربوا دلتا فورس وديزرت ستورم وسائر ألعاب ترسيخ الدونية ونشر الفكرة الصهيونية بأعمال المقاومة الصادرة عن الدور المحترمة مثل دار الفكر، دعونا نحمي عقول أبنائنا، لمنحهم ألعابا مسلية.. وفي نفس الوقت هادفة وتربطهم بقضيتهم.

(0) تعليقات

أطفال المترو1 ... وجوائز المرفهين

 
كان من جملة القواعد والمسلمات لدي .. أن الأطفال المرفهين جدا يصعب التعامل معهم، كما يصعب وضع حافز لهم، يعني مثلا "الشبل بتاع الدقي اللي أبوه بيجيب له (لاب توب) هدية بسبب ومن غير سبب.. أي جائزة أضعها له لتكون حافزا له وتعجبه؟؟".
 
وكانت هذه من المسلمات لدي، فلم أكن أحاول التجريب مجددا مع أحد الأولاد شديدي الرفاهية بوضع حافز أو جائزة تدمر ميزانية الشهر لينظر إليها بعد ذلك بقرف، وربما لا تعني له شيئا، وربما يكون رحيما بي منذ البداية وعندما أخبره أن له جائزة إذا فعل كذا فيقول: "إيه يعني.. ما بابا جاب لي!!".
 
لكن -وعلى غير موعد- أتت "آية" الصغيرة لتدمر لي هذه القاعدة وتنسفها تماما بصاروخين قسَّام، وقد بنت الصغيرة مكان هذه القاعدة القديمة البالية قاعدة جديدة، فقد لفتت نظري إلى ما كنت أجهله .. أو أتجاهله، وسأخبركم بالقاعدة الجديدة.
 

 
 
كانت أصابعي تنقر بتوتر ملحوظ وأنا أتابع أسماء محطات المترو وأراقب الساعات المعلقة بها، فلم أكن أريد أن أتأخر عن الموعد الذي أعطيته لأحدهم، لم تكد محطة "الدقي" يظهر اسمها أمامي حتى خرجت مسرعا، لم أحتمل الانتظار على السلم المتحرك فجعلت أتنقل على درجاته، خرجت مسرعا منا البوابات، قصدت باب الخروج ... وهنا توقفت ما إن رأيتها..
 
فمن بين أكثر الأشياء التي تجعلني أتوقف متناسيا العالم رؤية طفل يبكي وحيدا .. خاصة بين زحام المدينة وقسوته، اقتربت منها وابتسمت له وأنا أمسح عينيها..
 
لا تبكي يا صغيرتي.. (وبنظرة سريعة على هيئتها، كان البذخ واضحا في ملابسها) فسألتها عن ما توقعت أن يمكن أن يكون سبب بكائها.
 

-       أنت مش لاقية بابا؟

 
-       لأ أنا كنت جاية لوحدي
 
-       طيب انت اسمك إيه؟
 
-       آية
 
-       آية إيه؟
 
-       آية محمود
 
-       طيب يا آية انت رايحة فين؟
 
-       المدرسة
 
-       امال واقفة هنا ليه ؟ نزلت في محطة غلط؟
 
-       لأ هيا دي محطتي
 
-       امال زعلانة ليه طيب
 
-       أصل فيه ربع جنيه وقع مني هنا (وأشارت إلى منطقة ضيقة بجوار السلم)
 
-       طيب يا آية .. بس كده ... خدي جنيه يا ستي مش ربع بس ما تزعليش
 
-       لأ أنا عاوزة الربع جنيه بتاعي.. أصل أنا أخذته جايزة، وهوا وقع مني هنا!!
 
طبعا تفهمت الصغير ونجحت المحاولات بانتشال الربع جنيه الغارق والذي ما إن خرج حتى أخذته الصغيرة متهللة.. وبعد عدة خطوات وهي تحدق في الربع جنيه التفتت وقالت: "شكرا أوي يا عمو". ومضت آية إلى مدرستها.
 
ولكن آية الصغيرة أرتني بالفعل أنها لا تلتفت إلى القيمة المادية للجائزة ولكنها تلتفت إلى القيمة المعنوية لها.
 
تعلمت من آية الصغيرة أن كتابة اسم الشبل المتفوق على لوحة الشرف لمدة أسبوع قد يكون أغلى عنده من الـ"لاب توب" الذي يحصل عليه بدون سبب أحيانا

 

(0) تعليقات

مدون "إخواني أخواتي" يتكلم عن الدكتور صلاح الدسوقي

 
 
صاحب مدونة "إخواني أخواتي" كتب عن الدكتور صلاح الدسوقي -(المحال للمحاكمة العسكرية)- مقالا رائعا أحببت نقله في هذا الوقت الذي توفيت فيه والدة الدكتور صلاح وهو في معتقله


لم أر فى حياتى رجلاً مثل هذا الرجل، بل ولم أتخيل أن تجتمع كل ما أتمناه من صفات إنسانية فى شخص واحد..


شخص واحد تراه أمام عينيك، وتعايشه بقلبك قبل حواسك..


فتعرفه بأنه: العالم.. أستاذ الجامعة.. الطبيب..


وتشاهده: الداعية.. الربّانىّ.. حافظ القرآن.. ندىّ الصوت..


وتصفه بأنه: الرقيق.. المتواضع.. الخلوق.. البارّ بوالديه..


وترافقه فتجده: الفاهم لدينه.. الباذل.. المُضحى.. المهموم بشأن دعوته.. المحب لوطنه


هذا ببساطة، ودون مبالغة: الدكتور/ صلاح الدسوقى..



العالم.. أستاذ الجامعة.. الطبيب:


هذا الرجل البسيط، المتواضع هو الحاصل على:


1- بكالوريوس الطب والجراحة.


2- ماجستير الجراحة العامة، وجراحة الأطفال.


3- ماجستير التشريح وعلم الأجنة.


4- دكتوراة التشريح وعلم الأجنة.


ويستعد للحصول - بإذن الله - على دكتوراة فى جراحة الأطفال.


هذا الرجل الذى يدرس علم التشريح فى جامعة الأزهر، ويدرس انتداباً فى إحدى الجامعات الليبية..


هو ببساطة: الطبيب الذى يحبه الأطفال قبل الكبار فى عيادته بميت عقبة، ومستشفيات الجمعية الطبية الإسلامية..



الداعية.. الربانى.. حافظ القرآن.. ندي الصوت


هذا الرجل الذى يمارس الدعوة بفطرته.. دون تكلف، ودون عناء..


يمارسها بأخلاقه، وأدبه.. يمارسها فى لفظه، وخطوه.. يمارسها بوقته، وجهده..


لا يخلو معه حوار من دعوة، ولا نقاش من توجيه، ولا موقف من تربية..


وقد قال لى أحد الزملاء، الذى رافقه فى سكنه القديم فى ميت عقبة: حين كنا نريد الخشوع فى الصلاة، وحين نحن إلى العَبرة بين يدى الله، كنا نقدمه ليصلّ بنا ركعتين فى جوف الليل وقت السحر.. حتى تلين قلوبنا، وتخشع لذكر الله..



الرقيق.. المتواضع.. الخلوق


لم أر فى حياتى شخصاً بهذه الرقة، وهذا الحرص على مشاعر الغير..


يسأل عن كل الناس، وأحوالهم، وصحة آبائهم، وأبنائهم، وهو الأكبر سناً، والأعظم مكاناً، والأكثر انشغالاً..


يعايشك، فلا تشعر معه أبداً أنه أستاذ جامعى فى الخمسين من عمره، وأنت الشخص قليل العلم، صغير السن، متواضع المكانة، بل تشعر معه دائماً أنه أبوك الرحيم، أو أخوك العطوف..


يسمع لرأيك كاملاً، ويستحى أن يقاطعك.. كنت أفرّغ فيه شحنات غضبى، فيتلقاها بصبر وتؤدة.. مهدئاَ، ومُمنياً، ومُذكراً..


يُمرِّض أبنائى الصغار فى بيتى، وهو من هو، ثم يسأل عنهم كل يوم، حتى يطمأن على زوال المرض، وشفاء العليل..



البار بوالديه


بأبيه البالغ من العمر 82 عاماً، والمصاب بأمراض الشيخوخة، وارتفاع الضغط.


وبأمه المريضة بثلة من الأمراض:


- بكسر فى مفصل الحوض الأيسر..


- وتيبس فى مفصل الحوض الأيمن..


- والمحتاجة إلى استبدال مفصل..


- والمريضة بقصور فى الشريان التاجى..


- والمريضة حديثاً بفشل كلوى مزمن اكتشف قبل اختطافه بفترة زمنية وجيزة..


كان لأمه طبيباً، وممرضاً، وخادماً: يبيت بجوارها، ويغسل ثيابها، ويساعدها فى قضاء حاجياتها دون كلل، ولا ملل..



الفاهم لدينه.. الباذل.. المُضحى.. المهموم بشأن دعوته.. المحب لوطنه


يقف هذا الرجل بهدوئه، ورزانته، ورجاحة عقله سداً منيعاً حين يشتد الظلم، وتنفعل النفوس، وتتأجج الصدور.. يقف مذكراً بموقف لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومستشهداً بآية، ومُثنياً بحدث فى طريق الدعوة؛ حتى تهدأ النفوس، وتستنير العقول..


هذا الرجل الذى أهمل عيادتيه حباً وبذلاً لدعوته التى ملكت عليه حياته، وأذكره حين يتصل بأم سيد - ممرضة عيادته القديمة - فى الساعة الحادية عشرة مساء يسألها عن مرضى ينتظرونه فى مثل هذا الوقت، ولا يبالى بوجودهم من عدمه.. فقد باع واشترى، وينتظر الثمن..


الذى يضحى بساعات نومه، ووقته.. حتى أنه لا يستخدم سيارته، حتى يقتنص دقائق للنوم فى المواصلات..


هذا الرجل الذى ضحى بسفر إلى الخارج من أجل بلده الذى أحب، والتى يراها تحتاج لكل يد تصلح، ولكل عقل يفكر، ولكل جسد يبذل.


هذا الرجل الذى انشغل بالصحة العامة، وسعى، بل وقدم بحثاً حول الغذاء الصحى الآمن الخالى من الكيماويات، والأعلاف الصناعية.. وسعى لنشر هذه الفكرة بين الشباب، وعموم الناس.. وكان يحلم بها، وبتنفيذها واقعاً على أرض زراعية خالية من الكيماويات، وعلى أرض مزرعة للدواجن والحيوانات تأكل فيها أعلافاً طبيعية.. هذا الفكرة التى وأدها اللصوص وسط ما سرقوا من أفكار، ودراسات، وأبحاث..



الزوج، والأب


الرجل الذى ابتلاه الله بالتأخر فى الولد عشر سنوات، ولم يتبرم، ولم يشكُ، ولم يُر إلا شاكراً راضياً حامداً..


كان الله فى عون زوجه الدكتورة/ أميرة؛ فقد افتقدت أباً، وأخاً، وصديقاً قبل أن تفتقد زوجاً رفيقاً محباً رقيقاً.


كان الله فى عونها وهى تخبر أحمد الصغير ذا الأربع سنوات أن أباه فى ليبيا..


كان الله فى عونها وابنها يلح عليها، وعلى والده أن يعود من ليبيا (سجن طرة) ليرافقهما إلى البيت..



لكِ الله أيتها الأخت الفاضلة..


ولك الله أيها الولد الصغير..


ولك الله أيها الأب العجوز..


ولكِ الله أيتها الأم المريضة..



ولك الله يا مصرُ..


بل ولنا الله جميعاً..



إخواني.. أخواتي


ندعوه كما دعاه رسولنا الكريم، حين ضاقت به السبل، واشتدت عليه الأزمة:


اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. يا أرحم الراحمين أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربّي.. إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهَّمني، أم إلى عدو ملكته أمري.. إن لم يكن بك علىِّ غضبُُ فلا أبالي، ولكنَّ عافَيَتَك أوسعُ لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك أو يَحِلَّ علىَّ سخطُك.. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك.

(0) تعليقات

برغم القيود .. لا يزال الدكتور صلاح معلمًا