وهذه أمست عادة لواحد منهم بالذات.. لذا فقد تعلمت أن أركز فيما يقول؛ فهو يسألك أسئلة بديهية تجعلك تجيب وأنت مطمئن، ثم يسأل سؤالا آخر قد تظن ألا علاقة بينه وبين السؤال الأول، ولكنه فجأة يخرج من جملة الإجابات -التي نطقتها أنت بلسانك- بأمر غريب أو سؤال مبني على محصلة إجاباتك -بعد أن تكون قد أجبت بأريحية واطمأننت أن كل أسئلته من هذا النوع السهل، وأنك لم تقل ما يلبس عليه من قريب أو من بعيد- وهذا الأمر الغريب نظرا للمفاجأة قد يكون للوهلة الأولى غير قابل للرد إلاّ إذا راجعت جملة إجاباتك السابقة لتعرف أين الخلل.
لذا فقد تعودت ألاّ أترك أي سؤال -أي سؤااااال- يصدر من هذا الشبل بالذات إلاّ قلبته على جميع جوانبه وظللت أمعن النظر فيه حتى لا يبني لي عليه قاعدة جديدة.. إلى هنا نستطيع اعتبار الأمور عادية.. 
وفي ذات يوم، وبعد حكاية "طوييييييلة عريضة" عن أبطال الإسلام وعلى رأسهم سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقد قام الكل للوضوء لأن الصلاة اقترب موعدها جلس هو بجواري وقال إنه متوضئ، ثم نظر عاليا في سقف المسجد ثم توجه إليّ بالسؤال:
- "هوّا سوبرمان شجاع؟؟"
وبصراحة فقد كانت الإجابة بـ(طبعا أو جدا، أو.. أو..) على طرف لساني، ولكن.. ولأنه هذا الشبل بالذات فقد تمهلت قليلا، وقلبت السؤال على جميع أوجهه بحثا عن الجانب الغريب لأستطيع تخمين سؤاله القادم فلم أستطع.. ولأول مرة لا يوجد في سؤاله أي جانب غريب.. وكدت أجيب للمرة الثانية ولكني توقعت أنه "أكيد شاف من سوبرمان -منه لله- موقف مش ولابد في حلقة من حلقات المسلسل".. فأجبت عن سؤاله وأنا أتلعثم:
- "أأ آآ..!! ليه؟، بتسأل ليه!!"
- لا أبدا...!!
فمنيت نفسي للحظات أنني قد نجوت من أسئلته النارية ولكنه باغتني بما في ذهنه مباشرة -مما حطم كل آمالي في النجاة من قذائفه وجعل كل الأفكار تتدافع في عقلي مرة واحدة- بقوله:
- "طيب هوا أشجع والاّ سيدنا خالد بن الوليد؟؟؟.. أصل سوبرمان هوا كمان مبيتغلبش" 
بصراحة حينها كرهت سوبرمان
لى الرغم أنني كنت وأنا صغير من المتابعين والمحبين جدا للمسلسل.. وهمست في نفسي "الله يخرب بيتك يا سوبرمان"
.
تطلعت في عيني الشبل بغيظ فلم أجد منها إلا كل براءة وانتظار لإجابة شافية بكل شغف؛ وهو ما دفعني للرد مباشرة:
"لأ طبعا.. سيدنا خالد أشجع يا حبيبي.. سوبرمان دا شخصية خيالية لا وجود لها".
وحمدت ربي في أعماقي ظنا مني أن الموضوع انتهى على هذا الحال.. ولكنه عاد يبدد كل آمالي بقوله:
- "ما أنا عااااااااارف!!.. بس افرض كان موجود.. مين كان هيبقى أشجع من التاني؟؟؟"

ولولا أنه صغير.. ومؤدب.. وأحبه جدا.. لأوجعته ضربا
من شدة غيظي، لكن "الطيب أحسن!".
عموما، "عم علي" أنقذني بالأذان والحمد لله
، وتظاهرت بترديد الأذان، ولكن عقلي راح يعمل.. "آه صحيح.. الولد عنده حق".. وما أن فرغت من الصلاة وعاود هو وأصحابه الالتفاف حولي حتى كانت لدي إجابة أظنها شافية لتساؤل الصغير، فقلت:
لا يا حبيبي.. سيدنا خالد بن الوليد كان هيبقى هوا الأشجع طبعا.. وهنا نظر إليّ في لهفة متطلعا إلى حيثيات الحكم، فتابعت:
- "اسمع يا حبيبي، لو فيه طريق ضلمة (مظلم) جدا.. وفيه منكم اتنين(اثنان) واحد معه لمبة(مصباح) والتاني لأ.. والاتنين مشوا في الطريق.. مين هيكون الأشجع؟؟.. فرد الجميع.. اللي مامعهوش لمبة طبعا يا أستاذ".
- "طيب سوبرمان -لو كان موجودا- معه قوة عضلية خارقة ويستطيع الطيران والغوص تحت الماء.. باختصار سوبرمان لا يهزم حسب الأسطورة.. صح؟"، فقالوا جميعا:
- آه.. صح يا أستاذ.
- طيب أيهما أشجع.. أن تقاتل والهزيمة محتملة، أم أن تقاتل وأنت لا تهزم؟
وهنا لمحت ابتسامة الفتى من بين الجميع أثناء صيحاتهم وهتافهم باسم ابن الوليد -رضي الله عنه.
علمني أشبالي أن الشجاعة لا تنبت إلا في أرض الخوف:
لقد اكتشفت أن سوبرمان النبيل الذي يحارب من أجل الضعفاء لم يكن شجاعا حسبما تخيلته الأسطورة؛ لأنه ببساطة كان بطلا لا يقهر، وغير قابل للهزيمة كما يزعمون.. لكن الشجعان حقا ومن يستحقون أن يلقبوا بلقب السوبر هذا هم الذي يناضلون من أجل الضعفاء ومن أجل الحرية برغم المخاوف.. مخاوف المعتقلات والعصي الأمنية وبطش الظالمين.. فكم في زماننا هذا من "الأقوياء الأخفياء" الذين يستحقون لقب "سوبر" بجدارة.
كما تعلمت أنه يوجد -"(سوبر مان)"- كثيرون حقيقيون ليسوا بأسطورة .. يستحقون اللقب عن جدارة .. منهم 40 "سوبرمان" محالون للمحاكمات العسكرية.
إنني لم أتردد لحظة في أن خالد بن الوليد أشجع من سوبرمان بكثير، ولكن هذا الشبل طرح على ذهني بأسلوب غير مباشر سؤالا آخر محيرا وما زلت لا أجد له جوابا ألا وهو: هل أحفاد ابن الوليد أشجع.. أم صناع سوبرمان؟!.
سؤال يحتاج لنظرة فاحصة.. فقد برهن صناع سوبرمان على شجاعتهم وروجوا لنموذج وهمي احتل عقول أبنائنا وأصبح جزءا من ثقافتهم، بينما لم نملك الشجاعة بعد لنروج لنماذجنا الواقعية الحقيقية.. ترى: متى تواتينا الشجاعة الكافية لنسوّق لنماذج أبطالنا الإسلامية "الواقعية" بمثل ما روجوا هم لنماذجهم "الخيالية" إعلاميا وتقنيا؟!.
وتحية خاصة لـ ((جماعة السوبر مان المسلمين)).
والله أكبر ولله الحمد
أضف تعليقا
من مصر

حياك الله أخت حلا وحيا الله كل أهل الأردن..
وباركالله فيك وفي مرورك وتفاعلك، وأسعدني أن تعجبك طريقتي، فهذا أفخر به..
وبالفعل أخيتي الشجاعة لا تكون إلاّ إذا أحيطت بالمخاوف
من المملكة العربية السعودية

ايه يا عم شهاب الحلاوة دي في التعبير والتمثيل الي أكثر من رائع بجد انت هايل وأسلوبك هايل وأشكرك جداً على مرورك وتعليقاتك الجميلة الي انت معودنا عليها لك كامل محبتي وصداقتي
من مصر

أخي الكريم عماد فخري.. مروركم كافٍ جدا لسعادتي.. فلكم أن تتصوروا ما أحدثه تعليقكم وكلماتكم الرقيقة الجميلة
وما كانت تعليقاتي إلا معبرة عن جزء يسري مما تستحقه مدوناتكم.. جزيتم خيرا
من المملكة العربية السعودية

أدخل هنا ولن تندم اكسب 3000 دولار في خمس دقائق
http://moka20.jeeran.com/archive/2007/5/215833.html
رائعه تلكم المدونات
من مصر

فكرة رائعة ومقال جميل. ولكن ترى ألم يخطر على بالكم سؤال واحد عن السبب الذي يجعل أجهزة الإعلام عندنا تذيع كل هذا الهطل عن الوبرمان الخيالي، ولا تسعى لإعداد ولو عدد قليل جداً من الحلقات الموجهة للأطفال العرب عن شخصيات عربية حقيقية وليست خيالية قامت بأعمال بطولية
من مصر

الأخ "موكا" سأترك تليقك برغم أنه إعلان بحت لأجلك فقط هذه المرة
تسلم حبيبي
من مصر

دكتور أشرف : حللت أهلا ونزلت سهلا .. شرفت مدونتي
بالطبع نحن نعاني فرض ثقافة على العقول تبدأ منذ الصغر، ولا يحرك أجهزتنا الإعلامية ساكنا للمحافظة على ثقافتنا في عقول الأجيال المقبلة.
لذا خرجت أجيال غربية في بلادنا العربية، لا تعرف عن عروبتها شيئا، ولا تفكر بعقل ينتمي لبلدها ولا لوطنها
وحسبنا الله ونعم الوكيل
من مصر

فعلا في هذا الزمان الاغبر يوجد الكثير من السوبرمان الذين يقولون للطغاة لا بصوت عال
واكيد سيدنا خالد اشجع من سوبرمان لانهم عملوا سوبرمان عشان ماعندهومش سيدنا خالد وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم
ربنا يكون في عون ال 40 المظلومين
والله اكبر ولله الحمد
من مصر

أخي الكريم نسر الإسلام..
بالطبع خالد بن الوليد أشجع بكثير من سوبر مان ... هذا أمر مفروغ منه
ولكن السؤال هو: هل أحفاد ابن الوليد أشجع أم صناع سوبر مان؟
صناع سوبر مان صنعوا أسطورة خيالية وروجوا لها وقربوها من الواقع وغرسوها في أذهان أبنائهم وأبنائنا
ولكننا وقفنا عاجزين عن ترويج الحقيقة التي بين أيدينا
من الأردن

بصراحة ربنا كدة انت هايل انا ساصبح من قراءك الدائمين انشاء الله .بس ما تكبرش دماغك.ها ها .المهم كنت عيزاك تمر على المدونة خاصتي لكن بعد قراءة مقالاتك فأنا استحي ذلك لانه(مش قد المقام).وربنا يعلي مراتبك انت واهل مصر الطيبين
من الأردن

بصراحة ربنا كدة انت هايل انا ساصبح من قراءك الدائمين انشاء الله .بس ما تكبرش دماغك.ها ها .المهم كنت عيزاك تمر على المدونة خاصتي لكن بعد قراءة مقالاتك فأنا استحي ذلك لانه(مش قد المقام).وربنا يعلي مراتبك انت واهل مصر الطيبين
من مصر

أختنا الكريم فاطمة الأردن أو فاطمة فلسطين (لا أدري تبع العلم أسفل الاسم أم تبع الملف الشخصي).. متابعتكم مدونتي شرف كبير بارك الله فيكم، ومدونتكم التي طالعتها تحمل حسا رقيقا وروحا مرحة أراها ممتازة، وما أرى ما قلته في شأن مدونتك إلا من قبيل التواضع .. جزاكم الله خيرا
من مصر

أختنا الكريم فاطمة الأردن أو فاطمة فلسطين (لا أدري تبع العلم أسفل الاسم أم تبع الملف الشخصي).. متابعتكم مدونتي شرف كبير بارك الله فيكم، ومدونتكم التي طالعتها تحمل حسا رقيقا وروحا مرحة أراها ممتازة، وما أرى ما قلته في شأن مدونتك إلا من قبيل التواضع .. جزاكم الله خيرا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

























الله عليك يا شهاب !
حبيت الطريقة اللي عبرت فيها عن الفكرة !
فعلا الشجاعة الحقيقية هي اللي بتيجي رغم ضعف الظروف اللي حولين الشخص!