- أنت مش لاقية بابا؟

.
.
السبت, 10 جمادى الأولى, 1428
كان من جملة القواعد والمسلمات لدي .. أن الأطفال المرفهين جدا يصعب التعامل معهم، كما يصعب وضع حافز لهم، يعني مثلا "الشبل بتاع الدقي اللي أبوه بيجيب له (لاب توب) هدية بسبب ومن غير سبب.. أي جائزة أضعها له لتكون حافزا له وتعجبه؟؟".
وكانت هذه من المسلمات لدي، فلم أكن أحاول التجريب مجددا مع أحد الأولاد شديدي الرفاهية بوضع حافز أو جائزة تدمر ميزانية الشهر لينظر إليها بعد ذلك بقرف، وربما لا تعني له شيئا، وربما يكون رحيما بي منذ البداية وعندما أخبره أن له جائزة إذا فعل كذا فيقول: "إيه يعني.. ما بابا جاب لي!!".
لكن -وعلى غير موعد- أتت "آية" الصغيرة لتدمر لي هذه القاعدة وتنسفها تماما بصاروخين قسَّام، وقد بنت الصغيرة مكان هذه القاعدة القديمة البالية قاعدة جديدة، فقد لفتت نظري إلى ما كنت أجهله .. أو أتجاهله، وسأخبركم بالقاعدة الجديدة.
كانت أصابعي تنقر بتوتر ملحوظ وأنا أتابع أسماء محطات المترو وأراقب الساعات المعلقة بها، فلم أكن أريد أن أتأخر عن الموعد الذي أعطيته لأحدهم، لم تكد محطة "الدقي" يظهر اسمها أمامي حتى خرجت مسرعا، لم أحتمل الانتظار على السلم المتحرك فجعلت أتنقل على درجاته، خرجت مسرعا منا البوابات، قصدت باب الخروج ... وهنا توقفت ما إن رأيتها..
فمن بين أكثر الأشياء التي تجعلني أتوقف متناسيا العالم رؤية طفل يبكي وحيدا .. خاصة بين زحام المدينة وقسوته، اقتربت منها وابتسمت له وأنا أمسح عينيها..
لا تبكي يا صغيرتي.. (وبنظرة سريعة على هيئتها، كان البذخ واضحا في ملابسها) فسألتها عن ما توقعت أن يمكن أن يكون سبب بكائها.
- لأ أنا كنت جاية لوحدي
- طيب انت اسمك إيه؟
- آية
- آية إيه؟
- آية محمود
- طيب يا آية انت رايحة فين؟
- المدرسة
- امال واقفة هنا ليه ؟ نزلت في محطة غلط؟
- لأ هيا دي محطتي
- امال زعلانة ليه طيب
- أصل فيه ربع جنيه وقع مني هنا (وأشارت إلى منطقة ضيقة بجوار السلم)
- طيب يا آية .. بس كده ... خدي جنيه يا ستي مش ربع بس ما تزعليش
- لأ أنا عاوزة الربع جنيه بتاعي.. أصل أنا أخذته جايزة، وهوا وقع مني هنا!!
طبعا تفهمت الصغير ونجحت المحاولات بانتشال الربع جنيه الغارق والذي ما إن خرج حتى أخذته الصغيرة متهللة.. وبعد عدة خطوات وهي تحدق في الربع جنيه التفتت وقالت: "شكرا أوي يا عمو". ومضت آية إلى مدرستها.
ولكن آية الصغيرة أرتني بالفعل أنها لا تلتفت إلى القيمة المادية للجائزة ولكنها تلتفت إلى القيمة المعنوية لها.
تعلمت من آية الصغيرة أن كتابة اسم الشبل المتفوق على لوحة الشرف لمدة أسبوع قد يكون أغلى عنده من الـ"لاب توب" الذي يحصل عليه بدون سبب أحيانا
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.



















