نزلت من المترو في محطة "رمسيس" أو "مبارك" ـ(متفرقش كل واحد منهم طاغية كبس على نفس شعبه فترة طويلة)ـ، توجهت إلى اللافتة المشيرة نحو اتجاه حلوان قاصدا نقابة الصحفيين التي تقع في محطة "الإسعاف" أو عبد الناصر، بمجرد نزالي وصل إلى مسامعي صوت بكاء مكتوم، لم يلفت نظري كثيرا، ولكن كلما اقتربت من اتجاه حلوان كان الصوت يقترب ... ويزداد، تبينت الآن مصدر الصوت، إنه فتى صغير يبكي والناس تقف لتسأله فلا يجيب وسرعان ما يتركه من وقف يسأله ويمضي في طريقه، عندما وصلت إليه كان الفتى يبكي بطريقة هيستيرية أشبه بالنحيب، وكان رجل وامرأتان يسألانه عما به.
الفتى لم يكن يجيب من حوله وكأنه لا يسمعهم أو يأبه بهم، الرجل بدأ يكلمه بانفعال مما دفعني إلى أضع يدي كتف الفتى بمجرد وصولي إليه، وافتعال موقف لأصرف الرجل، وأذلهل الفتى بذات الوقت لعله ينتبه إلى من حوله.
وضعت يدي على كتفه وقلت بطريقة مصطنعة: الحمد لله... أخيرا لقتيك
ثم التفت إلى الرجل والسيدتين وقلت: معلش ابن عمتي وأول مرة ينزل مصر والمترو قفل قبل ما يركب.
انصرف الرجل ونظر الولد إلي سريعا بذهول ولكنه عاد ينظر في الأرض وكأنه يبحث عن شيء، أمسكت بيد الفتى بقوة وجذبته إلى أقرب مقعد وجلسنا، وضع وجهه بين كفيه وراح يواصل البكاء، أعطيته منديلا وأنا أقول له: إهدأ علشان نعرف نحل المشكلة مع بعض، لو فضلت تعيط مش هانعمل حاجة.
سألته: إنت تايه؟
لم يجب وراح يبحث في الأرض ثانية عن شيء ما
سألته: إنت إيه اللي ضاع منك؟
الولد: 10 جنيه
طبعا أخوكم كان في موقف لا يحسد عليه، حيث إني كنت في طريقي للذهاب وما معي لن يكمل الـ10 جنيهات، والولد لا يطمع في أن أعطيه شيئا ولذا فهو يمشط رصيف المحطة بنظره جيئة وذهابا ويعيد البحث عن النقود في جيوبه، وعند كلمة هيضربني راح يشهق محاولا التماسك عن البكاء.
بقي أن أخبركم أنني قابلت أحد زملائي وروحت على حسابه. 

.
.
الخميس, 15 جمادى الأولى, 1428
في البداية أحب أن أنوه إلى أن تاريخ هذه القصة يسبق ما أثير حول مصطلح "المواطنة" في التعديلات الدستورية الأخيرة.
طبعا أخوكم كان كل اللي معاه 8 جنيه، والولد قالها وهو يبدأ فاصلا جديدا من البكاء بعد توقف دام ثانيتين، مما دفعني لتغيير الموضوع بسرعة.
- انت في سنة كام؟
-أنا مش في مدرسة.
- محاولا تصليح الوضع: طيب عندك كام سنة؟
- 11
- طيب يعني كبرت أهو... ممكن تمسك نفسك شوية علشان نحل المشكلة؟
- الولد متماسكا بعض الشيء : حاضر.
انت اسمك إيه يا حبيبي
- ماجد.
- ماجد إيه
- ماجد ﭽورﭺ.
- طيب يا ماجد العشرة جنيه دي وقعت منك فين؟
- مش عارف.. وبعدين دي بتاعت الأسطى، ولو رحت له من غيرها هيضربني!!.
حسمت أمري وقررت أن أسير حتى ميدان التحرير ثم العودة بالباص على زحامه مشقته وأخرجت سبعة جنيهات ونصف واحتفظت بنصف جنيه للباص، وقلت له: بص يا ماجد.. أنا مش معايا إلاّ دول.. ممكن تبقى تتصرف في 2 جنيه ونصف تكلم بيهم الـ10؟
- الولد بسعادة غامرة: آه أنا ممكن أجيبهم من الـ"بقشيش".
- طيب الحمد لله ... كده اتحلت
- عمو ... انت اسمك إيه؟
- اسمي (.... ....).
- طيب هقابلك تاني ازاي؟
- تقابلني ليه؟
- علشان أديك الفلوس ... أنا ممكن بكره أكون جمعتهم من البقشيش وأجيبهم لك..
- قاطعته قائلا: بص يا ماجد .. لما عمو بيديك حاجة بترجعها له؟
- الولد مبتسما: لأ.
- طيب ... مع السلامة يا ماجد
أضف تعليقا
اضيف في 21 جمادى الأولى, 1428 06:55 م , من قبل elnomany
من مصر
من مصر

واقع مرير لكنا نعيشه لولا معوزة الاب لما خرج الطفل الى الشارع ليعمل في هذه السن المبكره
احسنت سيدي
اضيف في 26 جمادى الأولى, 1428 09:54 ص , من قبل rh1l
بعد السلام والتحية..
هذا اول مرة ازور مدونتك.
تحيه لك ولشعب المصري الكريم.
أقول،، لسا الدنيا بخير.
جزاك الله بما فعلت,, وليكن الله في عون كل محتاج في وطننا الكبير.
دمت بود وسلام.
اضيف في 05 جمادى الثانية, 1428 06:34 م , من قبل azhary
من مصر
من مصر

اشتياق: بل أنا من تشرف بزيارتكم لمدونتي، شرفت بزيارتكم يا أهل فلسطين الحبيبة..
للأسف هذه الظاهرة المنتشرة في المجتمعات العربية تزداد كلما ازدادت الأحوال المعيشية سوءا وازدادت الأسعار غلاء
نسأل الله العافية
اضيف في 05 جمادى الثانية, 1428 06:39 م , من قبل azhary
من مصر
من مصر

النعماني: بوركتم، تشجيعكم لي وسام أفخر به، جزاكم الله خيرا على المرور والتعقيب
اضيف في 05 جمادى الثانية, 1428 06:41 م , من قبل azhary
من مصر
من مصر

تحياتكم أخي الكريم موصولة، وبأضعافها مقبولة، زيارتكم أخي الفاضل سرتني كثيرا فجزاكم الله خيرا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.























من فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم ..
أول مرة أزور مدونتك ..
أروع ما فيها احساس اني داخل مصر ..
مصر عظيمة بقلوبكم الطاهرة المحبة للخير والسلام ..
قصة من واقع ملموس .. للأسف مجتمعات عربية كثير عايشاه ..
ظاهرة الاسطى والصبي .. الأسطى يعلم الصبي القسوة والحقد قبل ما يعلمه الصنعة ..
لكن تبقى النفس الطيبة متل التربة الصالحة ..
الصبي عمل بأمانته وتربيته الصالحة واعتبر الفلوس دين عليه ..
وفاعل الخير اعتبرها عند الله سبحانه وتعالي صدقة لله ..
جزاك الله ألف خير وعوضك بالخير كله ..
بارك الله فيك وفي أمثالك ..
وهدى الله كل الأسطوات ذوي القلوب القاسية ..
ورحم الله أبناء القهر من ذل قد فرضته عليهم الظروف الاجتماعية كرها ..
تشرفت بدخولي هذه المدونة ..