أقبل فإن القلوب غدت قاسية، وإن الأذهان للطاعات ناسية، والأبدان من طول البعد صارت عاصية، وجفت عيون كانت من الخشية باكية.. أقبل فإن النفس إلى الطاعة تحن، ومن كثرة الذنوب تئن، ومالها غير الله ينجيها من هذا الشجن.. أقبل لعل الله بك يعفو عن السيئات، ويستر السوءات، ويغفر الزلات، ويقيل العثرات.. أقبل لعل بقدومك تزداد الطاعات، وتتنزل الرحمات، ويرضى رب الأرض والسماوات.. أقبل بنفحاتك تُغفر الذنوب، وتطهُر القلوب، وتُهجر العيوب، ويستر علام الغيوب..
لماذا تسجنون قلبي؟!؟!.. لماذا تضعونه خلف القضبان؟!؟!.. كيف أكتب من دون قلب؟!؟! فأنا منذ البداية لم أملأ محبرتي إلا من نبضات قلبي.. والآن.. كيف سأكتب وقلبي بعيد خلف القضبان؟!.. نعم.. قلبي هناك مع حبيبي، معتقل في سجن الطاغية، وقلمي جف مداده، لم يعد قلبي ينبض ليمده بالحبر الذي يكتب به.. هل تدرون كيف أكتب الآن؟؟ أكتب بنبضات قلب حبيبي وأخي، فقلبي ليس قويا كبيرا كقلبه، قلبي لا يستطيع أن يملأ محبرتي من خلف القضبان، أما قلبه هو.. فهو كبير، يملأ مشاعرك.. ويملك وجدانك.. ويأسر قلبك. ما إن تطالع محياه الباسم، وتعامل خلقه السامي، حتى تعرف أنك قد التقيت رجلا نادرا ما تجد مثله، عذب هو صوت أخي في قراءة القرآن، شجي دائما، كنت أكثر من مداعبته متى التقينا، وكان يرد بالمثل، كان من يرانا يظن أننا تربينا معًا، ربما لم ألتق به في طفولتي.. ولكن معرفة روحي وروحه تخطت زمن لقائنا بسنوات. أخي كثير المحن.. قليل الشكوى.. بسَّام الثغر.. هادئ الطبع.. مثقف الفكر، إذا رأيته سعدت برؤيته، وإن غاب اشتقت إليه. إذا رأيتُه فلم يبتسم لي ابتسامته المعتادة علمتُ أن أمرًا قد حدث، إن أحظه أمرٌ عاتب ولم يقطع، إن غضب عرفت ذلك في وجهه، من شفتيه اللتين يضمهما وحاجبيه اللذين يقطبهما قطبًا خفيفًا، فإذا رأيتُ شفتيه مزمومتين في حزم، وحاجبيه مقطوبين في ترقب، بادت بالسلام عليه فيبادرني بابتسامة تمحو تلك الآثار من على وجهه. عندنا أخذوه في المرة الأخيرة كلمني بعيد خروجه، وعندما قابلته ضحك وكأنه رجل أقلبت عليه الدنيا بزخرفها وزبرجدها، وليس كأنه يعاني من مشكلات عديدة. لم أشهد رجلا يختصر كل الطرق لقلب الأشبال مثل أخي هذا، إذا جلسنا ننتظر أحدا في مسجد -ربما في منطقة ننزلها لأول مرة- ما إن تنتهي الصلاة ونبدأ نحن في الاتصال بمن ننتظره ليأتينا.. إلا ويكون هو قد اتصل بالفعل بقلوب الصفار في المسجد، وسرعان ما نجدهم ملتفين حوله وهو يتحاور معهم بهدوئه المعتاد.. يعرفه ويحبه الصغار قبل الكبار في منطقته، لا يخرج من بيته حتى ويقابلونه حتى يحيطون به ويسلمون عليه، إذا خرج للصلاة سبقوه إلى المسجد، إذا وقف يصلي تسابقوا على من يصلي بجواره.. وجوده بينهم كأنه قطعة حلوى يظفرون بها عندما يصافحونه في سعادة. رجل كهذا.. رَقِيْقٌ طبعه.. دَمِثٌ خلقه.. لماذا يسجنه طغاة النظام المصري؟؟ هل يحمل قلب أخي الرقيق حقدا نحو أحد في المجتمع؟؟ ما ذنب الصغار الذين يسعون للمسجد ثم يتلفتون بحثا عنه ثم يعودون في غضب لأنهم لم يسلموا على "الأستاذ" ولم يقابلهم بابتسامته ولم يداعبهم بكلماته الرقيقة!!. هل يحاول زبانية النظام محو كل مسحة جميلة في حياتنا؟! المجتمع لا يخشى من أخي هذا.. الناس تحبه.. جهوده تخدم وطنه.. أنتم من يرهب الناس!! عبثكم يضرُّ وطني.. فوضى ظلمكم تخيف المجتمع!!. هذه هي الحقيقة.. فأفرجوا عن أخي!!. أفرجوا عن قلبي!!.
<<الصفحة الرئيسية






















