لست أدري سبب شعوري ذلك، ربما يكون بسبب ارتباط المكان عندي بالشدة والقسوة، بالذراع الحديدية التي يبطش بها النظام بخصومه السياسيين، وعلى الرغم من ذلك فإن شدتها لا تكره بالكلية، ولكن تكره عندما توضع في غير موضعها.
جاء الخبر سريعا بالتأجيل، وكأن صحراء الهايكستب تنظر إلي بعينين شاحبتين لتتحدى.. "هل ما زالت لديكم القدرة على المواصلة والصمود؟ سأتسع لأبلعكم وأضيق لأخنقكم.. هل ستتحملون قسوتي؟".. حينها نظرت طويلا إلى الواقفين حول "كافيتيريا البواسل" وكأنني أستمد قوة من عزيمتهم على نصرة المظلوم، ثم انتزعت نسمة هواء باردة رغما عن قسوتها، وأجبتها في اقتضاب: "سأعود.. أشوفك يوم 25" سنعود يوم 25/3، وسنعود في كل يوم يتم فيه التأجيل، ربما تزداد أعدادنا.. وسيزداد معها أملنا في فرج من عند الله.. وسيزداد أيضا رضانا بقضائه. سأعود مرة أخرى فأخبريهم أنني لم أسأم.. والجموع الغفيرة التي وقفت على رمالك ستعود أيضا.. ستعود بخطى أكثر همة.. فاحفظي وطء أقدامهم حتى تؤديها شهادة تامة بين يدي الله. 


.
.
الثلاثاء, 19 صفر, 1429
لم تعد صحراء الهايكستب كما كنت أذكرها وأنا لا أزال طفلا صغيرا، فقد امتدت إليها من العمران ألوان وأشكال، وهي الرغم من ذلك ما تزال نائية بعيدة جامدة.. يكثر فيها لون الرمال الأصفر في غير رقة، بل تقبضك قسوته على الرغم من قلة صخوره..
كانت صحراء الهايكستب اليوم تجمع ما يربو على الثلاثة آلاف من أسر وأبناء وإخوان المحالين للمحاكمة العسكرية، وعلى الرغم من ذلك فقد بدوا من بعيد ككرة سمراء مختلطة باللون الأحمر (لون اللافتات المطالبة بالعدالة) وسط امتداد لون الصحراء الأصفر الشاسع.
اقتربت في خطى وئيدة، ولم أحمل كاميرا ولا قلما ظنا مني أنهم سيمنعون ذلك وقد يصادرونه فيضيع.. نظرت نظرة خاطفة إلى أهالي المحالين.. نظرة واحدة إلى عيونهم كانت كافية لتشعر بأن هذه الصحراء بوسعها وترامي أطرافها قد انطبقت على صدرك وطوقت رقبتك، وعندما يتبادر إلى ذهنك أن هؤلاء الأطفال قد يعودون اليوم إلى بيوتهم بعيون باكية وآمال محطمة.. فقد لا تجد متنفسا لك، ستظل تبحث عن نسمة هواء في صحراء الهايكستب دون جدوى.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.



















