عن الحب والغرام.. نتحدث..
خلق الله الإنسان فأودعه غرائز شتى، من بين تلكم الغرائز غريزة زعم العشاق والهائمون أنها أجملها، إنها "الحب"، وعموما أظن أن الجميع متفق على أن الحب -بمفهومه الواسع- شيء جميل، أعني حب الأب والأم والأخ والحليلة والوليد.. ولكن العشاق والشعراء كانوا يقصدون نوعا محددا؛ هو "الغرام".. غرام محبوبتهم، يعنون غريزة ميلهم لشقهم الآخر، ونصفهم المكمل.. ولا شك أن تلكم العاطفة والغريزة هي غريزة في كل بني آدم وبنات حواء.. فمن الطبيعي أن يحن المرء إلى زوج تشاركه سكنه وأحلامه، وأن يميل إلى من تنظر بعينه وترى رؤياه، وتعينه على دربه، أن يتحرق الرجل شوقا وهو في عمله لأن يأوي إلى معشوقته لتحتويه وتزيح عنه أعباء الدنيا والعمل.. كل رجل طبيعي لديه تلك الفطرة والعاطفة، أن تربي امرأة ولده، وتشاطره وسادته، وتحمل عبء الحياة معه.. أن يفرغ مخزونه العاطفي والفكري معها، وأن يتغزل بها وتتغزل به.. تنشأ بينهما علاقة خاصة، وحياة خاصة، ولغة وتفاهم خاص.. حتى إن الشاعر يصف ذلك فيقول: تشير فأدري ما تقول بطرفها *** وأطرق طرفي حين ذاك فتعلمُ تكلم منا في الوجوه عيونُنا *** فنحن سكوت والهوى يتكلمُ وكثيرا ما حير ذلك الشعور العاطفي قلوبا، وهيج مشاعر، وحرك ألسنة.. وسيوفا أيضا، حتى سار مثل شهير كثير ما سمعت أستاذي الكريم يردد مازحا وساخرا أحيانا: (ما لا تأتي به سيوف الرجال.. تأتي به قلوب النساء!!).. وصيغت في وصف تلكم المشاعر قصائد وأبياتا، وصار سماع قصص الحب والغرام الأكثر شعبية، فأصبح العرب لمعرفتهم بذلك يفتتحون قصائدهم بذكر الحب والغرام والهيام حتى لو لم تكن القصيدة لهذا الغرض أصلا، ولكنهم يبدءون بذكر طرف من ذلك ليستولوا على انتباه سامعيهم.. ومن ذلك قصائد كثيرة قيلت في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتتحت بالغزل.. وصار للحب والغرام مشاهير وأبطال، فمن الذي لا يعرف مجنون ليلى، أو لم يسمع عن روميو وجولييت، وأي أديب لم يقرأ لكُثَيِّر ومحبوبته عزة، وأي مكتبة جامعة لم تضم بين ثناياها قصصا وأطرافا من ذكر الحب والغرام.. حتى الأبطال.. لم تخل مآثرهم من ذكر ذلك، فمن الفرسان عنترة وابنة عمه، ومن الملوك هارون الرشيد وابنة عمه زبيدة.. ولا يكاد يخلو مجال أو فن أو طبقة ومستوى إلا وله حكاية أو قصة اشتهرت في الحب والغرام.. ومبلغ ذلك كله ومنتهاه وكماله الذي لا إفراط ولا تفريط معه.. إلى خير الأنام والبرية، وأكمل إنسان وجد على سطح الأرض، سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثاره مع السيدة خديجة معروفة، ومآثره مع السيدة عائشة مشهورة.. وعند سيرته تتقاصر المشاعر الكلمات.. ومن العجيب فعلا ذلك التواصل الروحي والعقلي الذي يكون بين المتحابين، ليس فقط عندما يتقابلان ويقرآن لغة عيونهما.. وإنما حتى عن بعد، فقد أسمع أخا لي ينام بجواري في أحد اللقاءات يتكلم وهو نائم وينادي على زوجته ويناديها ويدللها، وعندما أيقظته وذكرت له ذلك لم يكن منه إلا أن قال لي إنه يفتقدها –على قصر زمن الانقطاع- ولكنهما (هو وهي) يدركان أن ذلك لوجه الله.. وتساءل مستنكرا: كيف لا يكون فكره وذهنه مع زوجته وأولاده؟!. كان الحنين وتوارد الأفكار على بعد المسافة أو الغياب عن المكان علامة مميزة فقط للمتحابين، وظاهرة عجيبة.. وصار هذا الحنين عندي والاهتمام والتفكير الذي قد يصل أحيانا إلى حد الشرود كل هذه المشاعر والظواهر هي عندي علامة الحب والغرام، وهي المظاهر القاطعة للمحب..
أعتقد أنني فعلا صرت متيما بأرض فلسطين، وصرت مغرما بصمودها ومقاومتها، أعلن أنني أحبها فعلا، وأحب أبناءها كأبنائي، ورجالها كإخواني.. أظن أنني متيم تماما كالشعراء.. اعتدت على زيارة سيناء بين الفينة والفينة، وشق كبير من زياراتي لسيناء هو فقط الشعور الداخلي بقرب الحبيبة فلسطين، قربي من عبير الشهداء وصمود الإباء.. قربي من رائحة تربتها الزكية.. ونفوس صغارها الفتية.. وهمم رجالاتها الأبية.. أحن إلى أماكن تقترب منها، وأتشمم ما يصلني من أراضيها.. لقد صرت مغرما كـ"كُثَيِّر" الذي نادى في صاحبيه:
فقد صرت أتسمع أخبارها لأستعذب وقع اسمها في أذني.. وأقترب من أرضها لأشتم ريح هوائها.. ولما طال غيابي عن سيناء.. ازدادت موجعات القلب بهجمة وحشية على القدس والمسجد الأقصى، وازداد الخناق الغشوم حول بيوتها وأسوارها حتى تشبه بطوق بغيض.. صرت أحن إليها وأهرع بذكرياتي كما يهرع الطفل الصغير لأمه.. وأتمنى الذود عنها كابنتي، وأتخذ رجالها كإخواني وظلال زيتوناتها كمعشوقاتي.. إن حبيبتي في الأسر.. وحتى تتحرر فإنني سأبذل كل غالٍ ورخيص لتحريرها.. ولن أتوانى.. فيبدو أن قلبي بأسوار القدس معلق.. هل تراكم عشاقا مثلي؟؟ هذه التدوينة تمت كتابتها بتاريخ 10-10-2009، ولم أكن أنوي نشرها، ولكني قمت بنشرها تفاعلا مع طلب أبو أسامة صاحب مدونة "كباية شاي": http://kobbaya.blogspot.com/

.
.
السبت, 28 شوال, 1430
فالرجل يهرب إليها لتحتويه كأمه، وليحتويها ويشعر بأبوته كابنته، ويجري إليها يستشيرها كصديقته، ولا يفلت من حبالها كمعشوقته..
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.



















