شهاب الأزهر
شهاب في سماء الحرية
.
.

إذا وهنت عزائمنا...!!

إذا وهنت عزائمنا...!!

"في طريق الدعاة.. ليس أغلى من عزيمة متوقدة معينا على المواصلة"... هكذا قالها أخي الكريم "أبو شهد" لي ذات مرة في الكلية، وكنا حينها لازلنا طلابا بالجامعة تفور عزائمنا، ولم يكن حينها قد تزوج ولا أنجب "شهد" ولا عرفناها حتى.. قررت حينها أن أعارضه.. فأين الإخلاص وأين الـ... ثم نظرت في وجهه وعيناه تحدقان كصقر بعيدا، وكأنه قد قال الكلمة ولم ينتظر تعقيبا، وكان أخي قليل الكلام قليل التنظير والمناظرات الكلامية.. فسكت.

لم يكن سكوتي حينها سكوت رضا وإقرار.. ولكنني وبعد سنوات، أراجع نفسي لأعترف..

ربما لم يعلم حينها أبو شهد أنني لم أقتنع بكلمته، وربما لن يذكرها نصا إذا ذكرته بها، حينها لم تكن العزيمة المتقدة التي ذكرها تؤرقني كثيرا، فالأوقات وفيرة، والجهود مبذولة منا جميعا بوفرة عن طيب نفس وخاطر، لا تجد مهمة جديدة إلا وثب لها عشرات الأكفاء.. فلماذا إذن هذا الأرق من العزائم يا أبا شهد؟؟

مؤخرا دق هاتفي برقمه ليخبرني بمقدم "شهد" الصغيرة إلى الدنيا، وبعد إغلاق الهاتف عاودتني الذكريات مع أخي الكريم أيام الجامعة، وتذكرت كلماته المقتضبة التي أتت حينها على غير موعد، ولكنها أتت في ذكرياتي لتنكأ -أو تطيب- جروحا..

تذكرت حينها كيف كان يفاخر شيخنا وأستاذنا وأديبنا الدكتور القرضاوي بحدة العزم وقوته رغم مضي الزمن حين تحدى جلاديه فقال:

بليت سياطك والعزائم لم تزل * منا كحدِّ الصارم المسلولِ

صدقت يا أبا شهد، إن العزائم المتوقدة غالية جدا على طريق الدعاة، أغلى من الماس في أسواقنا، قلما نصادف عزائم متوقدة، سرعان ما تبرد وتنطفئ تحت وطأة العزائم الخامدة والخاملة، وترضى وتستكين لواقعها المميت، وتكتفي بأن تعطي بين الحين والحين فضولا من أوقاتها، على مضض أحيانا وبرضا أحيانا أخرى..

إذا وهنت عزائمنا.. هانت دعوتنا، وكثرت كلماتنا وتنظيراتنا وسفسطاتنا وقلّت الأعمال، إذا هانت عزائمنا رحنا نؤصل للسكون وللدعة ونبرر القعود والضحكات الخاوية، وربما نلنا من الذين لا يزالون يضرمون وقود الدعوة ويمدونه بدمائهم وعرقهم.

إذا وهنت عزائمنا قل احتكاكنا مع المجتمع، وكثرت ثرثرتنا العقيمة، ونظرياتنا الشوهاء... إذا وهنت عزائمنا صرنا لا نتقن غير ترضية الضمائر، وتوهم أن كل ما يجري إنما هو من نتاج صنائعنا.. وصنائعنا لا تأتي إلا عندما تسمح ظروفنا ووقائعنا، وظروفنا.. لا تسلنا عنها فمن هم إلى هم، ومن لهو إلى لهو، تبنيها عقولنا صروحا عظاما لا نستطيع القفز من أسوارها، ولا تخطي أوارها..

إذا وهنت عزائمنا.. صرنا كداجن القوم.. لا تعرف له وثبة، ولا تخشى له صولة، ولا تحمد له فعلة.. اللهم إلا ما ينسجه خياله، وتسبح به فيه أوهامه.. يجتر فعالا ماضية، يستذكر أمجادا مكذوبة غابرة..

إذا وهنت عزائمنا.. فسوف تمصمص شفتيك عندما تقرأ كلماتي، أو ربما لن تبالي، وقد تغضب وتراني جاوزت حدودي بخيالي، وسرعان ما ستقلب الصفحات، وتنسى رسوم الكلمات... وتمضي الحياة إلى حيث تلقي بنا الرياح.. وتقضي لنا في المساء أو الصباح.

حينما تبدأ عزيمتك تفقد دفأها ونارها، ولا تجد عزيمة متوقدة تشعل حماسها من جديد، وعبثا تحاول أن تحافظ عليها حية، ولكن ضغوط الحياة، وبرودة العزائم من حولك تتكاثر عليك، وتشعر بعزيمتك تفتر... وتضعف... وتموت بين جنبيك، ولا تملك أن تفعل لها شيئا، سيتملكك الأسى.. ويكون هاجسك شعور مريع، وستدرك حينها معنى كلمات أبي شهد، وتعرف ندرة العزائم المتوقدة..

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.